وقفُ الانزلاق المريع يتطلب صراحة، لا تكاذباً أو مجاملات. المفجر لم يكن واحداً في ما حدث في الضاحية وما حدث في طرابلس، كما حاول أصحاب الغايات الطيبة أو الخبيثة أن يوحوا. تفجيرا الضاحية يقف وراءهما أعداء “حزب الله”، وتفجيرا طرابلس يقف وراءهما حلفاء الحزب نفسه؛ أليس هذا ما ثبت بالتحقيقات الرسمية؟!
هذا يعني بالضرورة أن مسلسل التفجيرات سيتنقل بين المناطق، وأن انفجار الجناح (السفارة الإيرانية) سيجري الرد عليه في منطقة أخرى، وهذا هو عين النموذج العراقي، لا سيما أن الأجهزة الأمنية تنذر بوجود سيارات جاهزة للتفجير، وقد تمكنت مشكورة من اكتشاف اثنتين منها؛ الأولى عشية عيد الأضحى (المعمورة ـ الضاحية)، والثانية عشية ذكرى الاستقلال (مقنة ـ بعلبك) قبل أيام.
النقاش العميق يتطلب الإجابة عن أسئلة ملحة؛ ما هو السبب الذي يدفع مجموعات سورية، بالتعاون مع مجموعات لبنانية الى تفجير سيارات مفخخة في بيئة “حزب الله”؟ وما الذي يدفع جهة مخابراتية سورية بالتعاون مع حزب لبناني الى تفجير المصلين في طرابلس؟ ثم؛ ما الذي يدفع شابين، أحدهما لبناني، الى أن يفجرا نفسيهما قرب السفارة الإيرانية في بيروت؟ “حزب الله” حاضر في ذلك كله؛ سواء كانت بيئته هي الضحية أو بيئة الآخرين هي الضحية.
إنه لأمر يستحق التأمل جيداً؛ كيف يصل واحد من أعرق العائلات الصيداوية إلى هذا الغلو، معتقداً أنه جهاد. وبغض النظر عن صحة الفعل بحد ذاته؛ فإن تفجير النفس هو أعلى درجات التعبير عن القناعة بالشيء واليأس من الطرق الأخرى في التعامل مع الآخر؛ فما الذي أوصل هذا الشاب ـ وربما هناك غيره ـ إلى هذا التطرّف، غير القهر الذي يشعر به فريق واسع في لبنان؛ يعاني استكبار “حزب الله” على بقية اللبنانيين، وعلى الدولة نفسها، وتفرده بنظْم السياسة الداخلية والخارجية، بما في ذلك إعلان السلم والحرب، مع العدو والشقيق؟!
النقاش في العمق يعني التفكر في ما جرّه علينا تورط جهات لبنانية منظمة بالقتال في سوريا، متذرعة بحجج سقطت الواحدة تلو الأخرى؛ فإذا كان الهدف هو منع “التكفيريين” (أي أعداء الحزب) من أن يأتوا إلى لبنان، فقد أتوا! وإذا كان الهدف هو منع الفتنة المذهبية، فقد وصلت في لبنان والمنطقة إلى ما نراه ونسمعه، وإذا كان الهدف هو مواجهة المشروع الصهيوني، فليس من خدمة للمشروع الصهيوني أكثر مما يجري. وللمفارقة هذه الحجج الثلاث وغيرها وردت على لسان السيد حسن نصر الله تبريراً لقتال حزبه في سوريا.
النقاش في العمق يعني التفكر في دلالات التفجير الأخير؛ فقد سقطت معه نظرية البيئة الحاضنة للتكفيريين، لأنها إن كانت تعني مناطق بعينها، فإن ثاني “الانتحاريَّيْن” اتضح أنه يسكن في منطقة مؤيدة للحزب (الفلسطيني عدنان المحمد وهو يسكن في منطقة الزهراني)، وإذا كانت تعني جماعات معينة، فإن والدة “الانتحاري” الأول (اللبناني معين أبو ظهر) شيعية، وعائلته معروفة بانفتاحها تاريخياً، فيما أهل الانتحاري الثاني مؤيدة لـ”المقاومة” وترفع صورة السيد حسن نصر الله في بيتها، وقد تبرّأت من ولدها، كما ظهر ذلك في إعلام “حزب الله” بالذات. وهذا يعني أن دوافع التطرف لا تكمن في مكان أو عائلات، وإنما في شعور ينال فريقاً، وفتنة مذهبية تزداد عمقاً.
النقاش في العمق يعني التفكر في حالة الشيخ أحمد الأسير التي يُنسب إليها الشابان “الانتحاريان”، لماذا ظهرت؟ وكيف نحت باتجاه العنف بعدما كانت سلمية؟ ولماذا يتجه شابان متأثران بهذه الحالة ـ على ما يقال ـ للانتقام من السفارة الإيرانية، فيما كان “حزب الله” خلال الأشهر الخمسة التي تلت القضاء على حالة الأسير في عبرا؛ يصر على أن المعركة كانت بين هذه الجماعة والجيش اللبناني؟!
النقاش في العمق يعني أن نتفق على حد أدنى من المعايير الوطنية؛ التي نفصل على أساسها بين المجاهد والانتحاري، والقتيل والشهيد، فليُسمِ من شاء مقاتليه وقتلاه بما شاء، لكن لا يجوز أن يُلزم الآخرين بذلك. المتفق عليه وطنياً أنه فقط من يُقتل في مواجهة العدو الإسرائيلي يسمى شهيداً، أما أن ينسب الحزب لقتلاه الذين يقاتلون في سوريا أو في أي مكان في العالم صفة الشهادة، ويسعى مستغلاً جريمة إرهابية، ليصبح معتقده وطرحه هو المعيار الفاصل على الصعيد الوطني؛ فهذا هو الذي يجيز للآخرين اعتبار قتلاهم شهداء أيضاً؟!
النقاش في العمق يعني التفكر في مآلات التحريض المستمر على “التكفيريين”، والوهابيين، والسلفيين، والأسيريين، والأخوان المسلمين، والمستقبليين، والسعوديين (أي كل من يخاصم الحزب)، فهدر الدم تطرّف، وحماية الإرهابيين وتقديسهم تطرف، والدفاع عن مفجّري المسجدين في طرابلس تطرف، وقتل السوريين تطرف، وكل تطرف يستدعي تطرفاً مضاداً على حد ما رأينا حتى الآن.
النقاش في العمق يعني أنه لم يكن جائزاً ربط مصير السفارة السعودية بالسفارة الإيرانية، والتحريض على السعودية ربطاً بمعاداة المشروع الصهيوني، فإذا كان المفجران من أنصار الأسير؛ فما علاقة السفارة السعودية بالأمر، وقد كانت دعاية الحزب – وما زالت – ترتكز على أن هذه الحالة مدعومة قطرياً؟ هذا مع العلم أن وضع السفارة الإيرانية لا يشبه أي سفارة أخرى في لبنان، بدليل أن التفجير الأخير كشف أن جهاز أمن السفارة تتولاه جهة حزبية نعت مجموعة من عناصرها كانوا يقومون بهذه المهمة (حزب الله)، فيما يتولى أمن السفارات الأخرى، بما فيها السعودية، عناصر تنتسب إلى جهاز رسمي لبناني.
ليس لدى من يعرف حقيقة الواقع أوهام في التوصل إلى مشتركات تمنع الانزلاق المريع، لكن خطورة الواقع تستدعي المحاولة.