أدّى الاتفاق الايراني النووي الاخير الى اشاعة اجواء تفاؤلية اقتصادياً، سيما بعد الاعلان عن إيقاف العمل ببعض العقوبات من ضمنها الذهب والمعادن الثمينة وقطاع السيارات والصادرات البتروكيماوية والسماح بشراء النفط الإيراني وخفض العقوبات على الأموال والعقوبات المصرفية. فما هي الانعكاسات المتوقعة بالنسبة للاقتصاد اللبناني؟
“لا يزال من المبكر اجراء قراءة اقتصادية لتأثير الاتفاق الذي وقع بين ايران واميركا على الاقتصاد اللبناني”، هذا ما أكده وزير المال السابق جهاد ازعور. وأوضح لـ”الجمهورية” أن هذا الاتفاق لا يزال في اولى خطواته وأمامه 6 أشهر، حيث من المتوقع ان تتبلور امور عدة خلال هذه الفترة، كما ان هذا الاتفاق يفتح الباب على مجموعة أسئلة منها هل سيترافق هذا الاتفاق مع تغييرات في الملفات الجيوسياسية الاقليمية التي تؤثر على لبنان وتحديداً الموضوع السوري، وهل سيفتح هذا الاتفاق مرحلة جديدة من تبريد الحماوة الموجودة في المنطقة مع خلق فرص استثمارية جديدة، أكان في سوريا أو العراق أو اي دول أخرى. لذا من السابق لأوانه معرفة انعكاسات الاتفاق الاميركي الايراني اقتصادياً وتحديدا انعكاسه على لبنان.
أما عن التراجع المتوقع في أسعار النفط والذهب عالمياً نتيجة هذا الاتفاق، فقال: اسعار الذهب في منحى تراجعي من أكثر من عام لأنه مرتبط بملف له علاقة بالسياسات المالية والنقدية في العالم، وتحديداً لأنه في مرحلة سابقة كان هناك تخوف من ان يرتفع التضخم في العالم ويصبح الذهب مركزاً للاستثمار قادرا على حماية رؤوس الاموال من التضخّم. لكن الأوضاع أثبتت ان الخطر غير داهم حالياً، كما ان معظم المستثمرين في الذهب غيّروا من استراتيجياتهم، لذا لاحظنا تراجعاً لافتاً في سعر الذهب، كما لاحظنا ان مصارف مركزية في العالم باعت منذ فترة جزءاً من احتياطها في الذهب. فالخطر أو الخوف الذي كان قائماً من حصول أزمة عسكرية في المنطقة تراجعت بعدما أظهرت السياسة الأميركية للرئيس اوباما أن حظوظ هذا الخطر ضعيفة، حتى أسعار النفط تغيرت بتغيّر الطلب والعرض في العالم اي لأسباب تتعلق بالتجارة والاقتصاد أكثر من أسباب أو أحداث جيوستراتيجية في المنطقة.
من جهة أخرى، ورداً على سؤال عن وضع المالية العامة، قال ازعور: الملفت اليوم أن وضع المالية العامة يفاجئ من في الحكومة في وقت كان يجب أن يكونوا منذ أكثر من عام على بينة من الوضع. فالسياسة المالية المعتمدة اليوم جد سلبية في الوضع الذي نمر فيه، خصوصاً لأنها ترفع الانفاق بطريقة كبيرة في وقت لا تملك الدولة القدرة على ذلك، كما ان القسم الاكبر من الانفاق اليوم يتم على شكل انفاق جارٍ، وتالياً نلاحظ ان هناك ارتفاعا كبيرا في العجز من عام الى آخر. والمثال على ذلك انه منذ مطلع العام حتى شهر ايلول من العام الجاري سجل الانفاق ارتفاعاً بأكثر من مليار دولار، فيما تراجعت الايرادات أكثر من 200 مليون دولار، اي ان العجز ارتفع نحو مليار و200 مليون في 9 اشهر، في ظل اقتصاد لا ينمو. هذا العجز الاضافي تحوّل الى دين بات ينعكس سلباً على الاستقرار. وهذا المنحى نفسه شهدناه خلال العام 2012 حيث سجل رقم قياسي للانفاق تخطّى عتبة الـ 21 الف مليار، وهذا الرقم يعد كبيراً مقارنة مع السنوات السابقة. وكان يُفترض بهذه الأرقام ان تدفع الحكومة الى اتخاذ احتياطات منذ منتصف العام 2012 في ظل الاوضاع، والمؤسف أن كل ما نسمعه اليوم من المسؤولين هو توصيف للمشكلة عوض ان يبادروا الى معالجة المشكلة. فتصرّف بعض المسؤولين يدعو الى الدهشة خصوصاً انهم على دراية بهذا الواقع منذ أكثر من سنة وللاسف لم يتخذوا اي اجراء، انما على العكس نلاحظ تمادياً في بعض الانفاق الذي له طابعاً سياسياً. وأسف لأن كل الاموال التي تتأتى من الاقتصاد تصب في خدمة تمويل ديون الدولة بدلا من أن تموّل القطاع الخاص. انطلاقاً من ذلك، دعا الى اجراء تغييرات جذرية في السياسة المالية والاقتصادية المعتمدة من قبل الحكومة.
أما عن التوقعات للعام المقبل، فقال: التحديات عام 2014 كبيرة ابرزها استحقاقات سياسية مثل الانتخابات الرئاسية والانتخابات النيابية الى جانب مفاوضات اقليمية عن الموضوع السوري. وقد تحددت جلسة مؤتمر جنيف 2 في شهر كانون الثاني عام 2014. فهذه فترة ترقّب تشهد إحجاماً من قبل المستثمرين عن الاستثمار وتترافق مع ضغوطات، لذا يجب ان ترفق بإجراءات واضحة من قبل الدولة لا سيما من حيث السياسة المالية المعتمدة واجراءات احترازية وترقبية وزيادة مستوى التنسيق بين السياسة المالية والسياسة النقدية وتخفيف الضغط ودعم بعض القطاعات اللبنانية التي تتأثر سلباً بالوضع السياسي.