كتب حسين زلغوط في صحيفة “الجمهورية”:
في الوقت الذي تمر فيه المنطقة في مخاض ما قبل ولادة التسوية الكبرى لأكثر الملفات تعقيداً وتشابكاً، وفي الوقت الذي ترمّم فيه الجسور بين دول كانت تقف حتى الأمس القريب على عتبة الدخول في حروب لا تُبقي ولا تذر، يستمر لبنان في الغرق في اتون الصراعات السياسية والتحريض المذهبي والطائفي التي لا طائل منها لأحد، في مشهد يوحي وكأن لبنان هو الوحيد الذي يقرأ في كتاب غير الكتاب الذي يفتحه العالم على الصفحات الإقليمية والدولية لتبيان التعديلات والمتغيّرات التي طرأت والتي هي على طريق التبدّل.
إن ما يجري في لبنان أمر عجيب غريب حيث أن كل الأطراف لا تريد أن تعترف بالواقع الذي آل إليه المشهد الإقليمي والدولي في الآونة الأخيرة، حيث أن الأبواب شرعت بين إيران والدول الغربية وفي مقدمها الولايات المتحدة الأميركية التي هي بالنسبة للكبير والصغير في إيران بمثابة «الشيطان» الأكبر، وها هي الدول المعنية التقت على 22 كانون الثاني كموعد لمؤتمر جنيف2 في محاولة لمعالجة الأزمة السورية، بمعنى أن العالم كله بات يتحاور مع بعضه البعض إلا في لبنان تتطور فيه المناخات السلبية إلى حد وصل فيه الصراع الطائفي والمذهبي وبعده السياسي إلى أقسى الأماكن وهي الجامعات التي من وظائفها الأولى دمج المجتمع اللبناني بعضه مع بعض، والتمسك بصيغة التعايش بكل مندرجاتها وفروعها، وهو ما يعني بشكل واضح أنه في الوقت الذي يتقدم فيه العالم بشكل مضطرد الى الأمام، نتراجع نحن في لبنان خطوات كثيرة الى الوراء بشكل يوحي أننا لم نبلغ بعد سن الرشد السياسي، وما زلنا أيضاً نحتاج وغصباً عنا الى وصايات خارجية تتحكم بمصيرنا وحياتنا.
ما من شك أن الشهرين المقبلين سيكونان مفتوحين على كل الاحتمالات حيث ما من أحد يستطيع التنبؤ إلى ما ستفضي إليه محادثات جنيف2، كما أن المدة الفاصلة عن موعد المؤتمر ربما يستغلها البعض لتحصين أوراقه عن طريق الضغط بطرق مختلفة كل دروبها توصل إلى الخسارة، ولذا فإن لبنان محكوم عليه الاستفادة من هذه المناخات والذهاب في اتجاه تحصين ساحته الداخلية من الرياح الإقليمية العاتية عن طريق الاتفاق على حكومة جديدة، وإطلاق العمل التشريعي، والتخفيف من حدة الشارع على قاعدة المثل القائل: «عند مصالح الدول إحفظ رأسك».
إن المستجدات الأمنية التي طرأت الأسبوع الفائت والحوادث المتنقلة التي تحصل يومياً على مساحة لبنان تشكل جرس إنذار للقيادات المسؤولة بأن يسرعوا الخطى باتجاه التفاهم على تنظيم الخلاف، وتفكيك عقد بعض الملفات، كون أن استمرار الوضع على ما هو عليه سيؤدي إلى نتائج كارثية على الجميع من دون استثناء.
في هذا المجال لا ترى مصادر سياسية متابعة انفراجات قريبة متأتية عن التفاهم الإيراني – الغربي حول الملف النووي كما يعتقد البعض، غير أنها تعلّق آمالاً كثيرة على مسار الأزمة السورية وما سينتج عن مؤتمر جنيف2، وقبل هذا وذاك فإنها تؤكد أن ثلاث أرباع المشاكل في لبنان إن لم نقل كل المشاكل تحل عند حصول أي تفاهم إيراني – سعودي لما لهاتين الدولتين من تأثير فاعل على الوضع اللبناني برمّته.
وتشدد هذه المصادر على أن لبنان هو من أكثر المستفيدين من أي تقارب على خط الـ أ.أ، وأن هذا التقارب أصبح ممكناً الآن أكثر من أي وقت مضى، سيّما وأن الموقف السعودي الرسمي من الاتفاق النووي يساهم بشكل فعّال في حصول هذا الأمر الذي ليس منه بُد، للولوج في معالجة الكثير من الملفات الساخنة في المنطقة ليس في لبنان وسوريا وحسب بل يتعدى هذا الأمر إلى نواح أخرى.
وتعرب هذه المصادر عن اعتقادها بأن لبنان دخل فعلياً في سباق محموم بين الإسراع في معالجة الملفات الخلافية وبابها تأليف الحكومة، وبين تفجير الوضع الأمني الذي برزت بوادره مع التفجيرات المتعددة التي حصلت وقطع الطريق على محاولات كثيرة مماثلة حالت العناية الإلهية وسهر الأجهزة الأمنية دون وقوعها.
وفي هذا المجال لا تستبعد المصادر أن تفتح المناخات الإقليمية المستجدة كوّة معيّنة في جدار الأزمة اللبنانية عن طريق قبول مختلف الأطراف بالواقع المستجد، والركون إلى قاعدة إن كنت تريد أن تحاور لحل مشكلة ما فما عليك إلا أن تقدّم أنت والفريق الآخر التنازلات، فالعمل الكيدي والتصلّب في الرأي لا يفيدان في هذه المرحلة التي تعدّ من أصعب وأدق المراحل التي يمر فيها لبنان، وعلى هذا الأساس فليؤخذ ما حصل في الجامعة اليسوعية عبرة حقيقية لما ستكون عليه الأحوال في لبنان في حال بقيت مكبرات الأصوات الطائفية والمذهبية تصدح في كل مكان، في شكل كان يظن البعض بأن صيغة التعايش التي تميّز لبنان عن محيطه لا بل عن العالم أجمع تشكّل الحصن الحصين للبنان من مثل هذه الشوائب التي هي إن بقيت ستفتح أبواب الجحيم على هذا البلد الذي كفاه ما عاناه من حروب ومشاكل.