#adsense

“الباسدران” و”حزب الله” كطفيليات اجتماعية بعد اتفاق جنيف

حجم الخط

 

أن يتطاير شبح الحرب الأميركية – الإيرانية بموجب الإنجاز الديبلوماسي الأخير فهذا بحد ذاته يعطي لأنصار السياسة الإيرانية في المنطقة العربية سبباً مقنعاً للتهليل. فأن لا تقع هذه الحرب يعني أن لا يتكرّر نموذج الحرب التدميرية الأميركية أو الأطلسية الذي راكم تجربته ما بين عاصفة الصحراء والحربين على يوغوسلافيا وأفغانستان ثم احتلال العراق. وهذا يفيد بحد ذاته أن إيران لن تعرف “الهزيمة” بعد الآن، ويمكنها أن تقول لنفسها إنّ هزيمتها أمام نظام صدام حسين كانت آخر ذيفان تتجرّعه.

ما يغيب عن بال أنصار السياسة الايرانية في المنطقة العربية وهم يهللون للإنجاز الديبلوماسي المحقق أنّه حين يختفي أفق الهزيمة يختفي أيضاً معنى الانتصارية السائبة التي تنسب نفسها إلى كل حدث وموقف. في الواقع هذا عين التحدي أمام إيران اليوم: فإما هي تدخل فعلاً من البوابة التي فتحت لها في جنيف، وإما أنّها ستظل تراوح مكانها عند العتبة. البوابة تدخلها الى نموذج من العلاقات الدولية لا مكان فيه لثنائية “هزائم وانتصارات” على مدار الساعة. أتراها جاهزة؟

هذا الاتفاق هو فعلاً إنجاز في التاريخ الديبلوماسي المعاصر، كونه ينبئ بتجاوز “ديبلوماسية العقوبات والضربات” الى ما هو أقل فوقية وأمبريالية في التعاطي بين الدول العظمى والدول الأخرى، ذات الوزن في إقليمها من دون أن تكون “دولاً عظمى”، وهذا حال إيران. بموجب هذا الاتفاق لم تصبح مجموعة “الدول الست” مجموعة لـ”الدول السبع”. لكنه بموجب الاتفاق أيضاً ثمة أمل بأن تأخذ إيران من الآن فصاعداً مكانها اللائق بين مجموعة الأمم الآسيوية الناهضة في مطلع القرن. ثمة فارق كبير وأساسي.

فإذا ركب “الوهم” أنصار السياسة الإيرانية تصوّروا بأنّ أميركا تسلّم المنطقة لإيران لتكون شرطيّ الإقليم برمّته. وهذا الوهم لن يعني إلا مزيداً من الانغماس في النزاعات الإثنية والمذهبية. مدهش كيف تتدرّج الانزلاقات المنطقية لأسرى الوهم: “لا هزيمة في الأفق إذاً يمكن الاحتفال يومياً بالنصر، ويمكن الهيمنة على الشرق الأوسط في مقابل التخلّي عن معدّل تخصيب اليورانيوم”. هذا تهويم كفيل بتبديد ما تحقّق لو تملك صانعي القرار بطهران.

أما إذا كانت للعقل كلمته، وجب إقرار الاتفاق على ما هو عليه. إنه يرسم إطاراً، وهذا الإطار يحتاج الى تجاوز الكثير من المواقف الأيديولوجية. فالمسألة لا تحل بنزع يافطات من بعض شوارع طهران. المسألة تتصل بالقدرة على تحويل ما كسبته إيران إقليمياً في مرحلة غلوها الأيديولوجي من زمن الثورة حتى اليوم الى شبكة مستقرّة وواسعة من المصالح، شبكة ليست بحاجة الى الاستثمار في الفتنة المذهبية، ولا إلى المزايدة على العرب في قضاياهم القومية، وهذا لا تؤمّنه تنظيمات “نيو ـ قزلباشية” مثل “الباسدران” و”حزب الله”.

“القزلباش” وتعني بالتركية “الرؤوس الحمر” كانوا فرقاً عسكرية تركمانية في عصر الدولة الصفوية. كانوا “ضرورة تاريخية” لفترة ما ثم صاروا عبئاً على العصر الذهبي للدولة وقت عباس شاه. “النيو – قزلباش” هم أيضاً عبء اليوم في مرحلة تكتشف فيها إيران أن تخلّيها عن برامج عسكرية يفتح أمامها منازل الشرق.

لقد سبق لوالي نصر في كتابه عن “صعود الرأسمالية الاسلامية” أن لاحظ كيف أن الديناميات الاقتصادية للنخب الاقتصادية الإيرانية كما الشيعية اللبنانية تتناقض مع استمرار سياسة “باسدرانية” و”حزب اللهية” تتستر بالأيديولوجيا على طفيليتها الاجتماعية، وللحفاظ على حصصها من الريوع النفطية، وتحكمها “التكافلي” بالمؤسسات الاجتماعية، و”خوّاتها” المفروضة على حركة الرساميل المرتبطة بالنخب الشيعية.

فهل إيران مستعدّة للمضي قدماً في ما من شأنه كشف الفئات المحظوظة من “الباسدران” و”حزب الله” كطفيليات اجتماعية وإعادة تدويرها؟ المؤكد أن التداخل بين السياستين الداخلية والخارجية للجمهورية الإسلامية سيرخي بظلاله. هناك انتظارات مختلفة من الاتفاق بالنسبة للباسدران والولي الفقيه، وبالنسبة للنخب الاقتصادية والاجتماعية المتفلتة من سطوتهما. مركز السياسة يخضع للطرف الأول لكنه لا يسقط الطرف الثاني من حسابه.

في المقابل، يبرز نموذج آخر هو نموذج كوريا الشمالية حيث هناك مركز واحد للنظام بلا نخب متفلتة عنه. لقد توصلت بيونغ يانغ وواشنطن الى تفاهم إطار شبيه باتفاق جنيف المرحلي، وفي جنيف نفسها في 21 تشرين الأول 1994، يحصر النووي بالاستخدامات السلمية ويحول دون التخصيب العالي لليورانيوم. لكن كوريا الشمالية من جهة، التي كانت تخفي برنامجاً سرياً بديلاً، واليمين الأميركي من جهة أخرى، انتبهوا إلى أنهم غير مستعدين لتحمّل الأعباء الأيديولوجية لهكذا تفاهم له نكهة كلينتونية. فكان أن ترنّح التفاهم ثم سقط.
لكن إيران ليست كوريا الشمالية. لنا أن نأمل.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل