بعد اقل من شهر سيكون العنوان الكبير الذي يظلل عناوين الجردات الصحافية والاعلامية الدولية والمحلية لسنة ٢٠١٣ انها كانت سنة تسويتين تاريخيتين متعاقبتين للترسانة الكيميائية السورية والتخصيب النووي الايراني وكل الباقي بما فيه اهوال اعتى المجازر المرتكبة في سوريا تفاصيل وعناوين فرعية. هكذا هو عالم المصالح الكبرى حين تعصف الحاجات الاستراتيجية لإحلال فجر دولي جديد ولو تحول الى احلك الليالي في مصائر من يقف في طريقها.
لا يقل اتفاق جنيف النووي اهمية في اختراقه الوضع المتفجر في سائر انحاء الشرق الاوسط عن تسوية كمب ديفيد في حينها. حتى انه لا يقل اهمية عن انهيار جدار برلين في مطالع التسعينات الذي تزامن مع ولادة الطائف اللبناني وشكلت نهاية الحرب اللبنانية آنذاك مع انهيار الجدار المعلمين الكبيرين لنهاية الحرب الباردة في العالم ولكن لا لبنان استراح بعد تسويته التاريخية ولا الشرق الاوسط اهتدى الى السلام والتحرر من الديكتاتوريات.
إذاً ليس بالتهييص المفرط ولا بالرفض المفرط ايضا تقابل تحولات دولية واقليمية جذرية كهذه غالبا ما تكون معالم ايجابياتها موازية على الاقل لكفة اكلافها واثمانها. وليس اكثر من اللبنانيين من اختبر مذاق الاكلاف ليس في تسويات على هذا المستوى فحسب بل ما دونها بكثير وعلى نطاق داخلي ضيق ومحدود. قد يبدو طرح التفاعلات اللبنانية وتناقضاتها من زاوية ماضي التجارب المماثلة مثاليا وساذجا نظرا الى ان هذا اللبنان الذي يواجه الآن مصيرا شديد الغموض والخطورة ليس هو نفسه بل ربما لم يتبق فيه من وجهه وتركيبته التقليدية الا القليل القليل. ولكن ذلك لا يعني الا التخوف من مزيد من اخطاء تاريخية تذهب معها قوى أو طوائف بعينها الى عمى الالوان والنشوة بالوهم من جهة في مقابل تحجر وتقوقع من جهة اخرى، بما لا يبقي للبنان في هذه التحولات الا وظيفة الساحة المستباحة. واذا كان ثمة من يشكك في ذلك فلا نعتقد ان عاقلا لا يعرف ان التسويات الكبرى غالبا ما تستلزم “تخصيب” ساحات متطوعة لأعمال التدجين والتنفيس وتحجيم الادوار والمواقع وما الى ذلك من عدة الشغل المعروفة تماما لدى اللبنانيين.
طبعا لم تعد هناك اوهام لدى احد بان دولة في لبنان ستحمي اللبنانيين من طيش سياسي او مغامرات قاتلة على غرار التورط في سوريا او سوء قراءات سياسية للمجريات الدولية. تحدث الرئيس ميشال سليمان في آخر كلمة له في ذكرى الاستقلال عن “بناء مجتمع الاستقلال” كأنه يسلم نتيجة تجربته بعقم قيام دولة الاستقلال من دون ثقافة مجتمع مستقل. فهل يمكن تذكير من يتوجب تذكيرهم بما شهده لبنان منذ الطائف الى اليوم لان فيه من لا يحسن الا القراءة بالمقلوب؟