من الصعب الرد على رجل دين. أحيانا يبدو الامر معيبا لما لنا نحن “القوات اللبنانية” تحديداً، من حكايا عميقة متجذرة بايماننا المسيحي وبعلاقتنا اللصيقة بالكنيسة ورجالها. الموضوع أعمق بكثير من الرد على المطران الياس نصار، راعي أبرشية صيدا ودير القمر للموارنة، لمجرد انه ليس مؤيدا لخط “القوات” السياسي، او لخط “14 آذار” عموما، هذا شأنه بالتأكيد، وهذه حرية انسانية ودستورية وهذا هو المطلوب، ممارسة حرية الفكر والتعبير الى اقصى حدود… اللياقة والانسانية وهنا المسألة.
في قناعاتنا ان الكاهن هو صورة عن السيد المسيح، هو رسوله على الارض، هو اذن اول ناشر لرسالة المحبة النادرة الخالصة، التي لاجلها استشهد المسيح وحقق اعجوبة القيامة. طبعا ليس كل الكهنة هم ملائكة بالمطلق وليس بعضهم ايضا اشراراً بالمطلق، في البداية والنهاية هم بشر، لكن ميزتهم ان لهم فضل نشر محبة وسلام المسيح الى كل اصقاع الانسان الباردة، المحطّمة خطيئة او جفافاً او انعدام الحنان والمحبة والايمان، ونيالهم على هذه الرسالة. نيالهم لان المسيح بذاته اختارهم حين اختاروا ان يلتحقوا بدعوة الرب ليكونوا رسله ومثالاً عنه. نحن نؤمن ان الكاهن ليس بثوبه وحسب، انما بقلبه وروحه وايمانه ولسانه الذي هو مفتاح لما يجول في القلب، والمهم الا يلفح هذا القلب نار، حقد، انتقام او ظلم.
كل ذلك لنوجّه الى الاسقف نصار سؤالاً بدهياً: لماذا ايها المحترم تحمّل قلبك وضميرك وثوبك المفروض انه مكلل بغار المسيح، لماذا تحمّله هذا العبء من الكراهية والتجنّي على فئة من الناس هم من ابناء رعيتك، مسيحيون مثلك تماما، اختاروا ان يكونوا مناضلين شرفاء اوفياء شجعان وشهداء، غالباً شهداء، من اجل قضية كبيرة مقدّسة هي حرية لبنان، الحفاظ على الارض التي عبر عليها ذات مجد لن يتكرر، أقدام المسيح وله فيها قديسون وقديسون وقديسون، فلماذا ايها المحترم تحمل الخنجر وتطعن قلوباً حملت الكثير من الجراح وما زالت، لمجرد انها رفضت أن تحيد عن درب الحق؟ لك الحق ايها المحترم أن تكون من تشاء، ونحن نعرف انك كنت ذات عمر من مناصري الياس حبيقة، ليس لنا في هذا الخيار، وليس لنا في ما اخترت ان تكون عليه الآن، اي من مناصري النائب ميشال عون، ولكن لماذا على كاهن وهو يحمل جسد المسيح ويغمسه في خمر الدماء ان ينطق هذا الكم من الحقد على “القوات اللبنانية” ورئيسها بمناسبة وغير مناسبة، وان تصل به الامور الى درجة محاولة زرع الفتنة بين “القوات” أنفسهم ظنا منه ان كلام كاهن سيكون الاشد تأثيرا ويؤدي حتماً الى ما طالبتَ به اي تغيير القيادة؟!!
أتذكر بشدّة الآن الاب غريوس، كاهن رعية بعلبك المارونية، ذاك الكاهن المناضل الذي يرفض أي مظاهر للغنى بين الكهنة، هو من حارب ارهاب “حزب الله” في المنطقة بعدما رفضوا وجوده بينهم، وضربوه اكثر من مرة، وخطفوه، وهوالان شبه اعمى بسبب الضربات التي تلقاها على رأسه من اياديهم الاثمة، لكنه يقرأ الانجيل وكأن نظره مكتمل لان الحروف محفورة بقلبه ينطقها من حبه قبل لسانه، ويمارس كلام المسيح ويعتبر نفسه خاطئاً، ورغم كل ما فعلوا به، يدعوا لهم بالخير، تصور، يدعوا لهم بالخير. فلماذا لا تكون ايها المحترم مثل ذاك المحترم؟ لا تدعو لنا بالخير، لا نريد وان كنا نحب بالتأكيد، لكن لماذا تدعونا الى التشرذم؟!
اكثر من ذلك، لماذا تدعونا صراحة وعلنا الى وليمة الكراهية بدل وليمة المحبة واللقاء بالمسيح؟! تدعونا لان نكرهك وهذا ليس من عاداتنا ولا من قيمنا وخصوصا عندما يتعلق الامر بكاهن. قد نكره اعداءنا ايها المحترم، أنا أفعل، أنا اكره وبصفاء تام اعداء وطني، واعتبره اعترافا علنيا واختراقا لسر الاعتراف اذا شئت، لكن المشكلة ان اعلان الخصومة مع كاهن تكون أشد مرارة من الاخصام العاديين، لانه كاهن، لاننا نحترم الثوب الذي يرتديه والصليب الذي يشرّف رسالته، لذلك يكون العتب اكبر بكثير والزعل اعمق.
ايها المطران نصار، كنا نتمنى ان تعلن علينا المحبة بدل ان تعلن الحرب، وهذه ليست المرة الاولى ويا ليتها تكون الاخيرة، ومع ذلك ورغم كل هذا الحقد، ندعو لك بالسلام مع المسيح لتستكين كراهية القلب ويعود الطفل يسوع الى حيث يجب ان يكون، الى القلب ولو كان خاطئاً.
لقراءة المقابلة التي أجرتها صحيفة “الثبات” مع المطران الياس نصار
