ولا يخفى أن لهذا البلاغ بعدين، أمني وسياسي. في البعد الأمني، ثمة من يصرّ على التصويب على السفارة السعودية منذ اللحظة الأولى للتفجيرين الإرهابيين اللذين استهدفا السفارة الإيرانية، مع تركيز أعمى من قِبَل هؤلاء على أن الردّ على تفجيري بئر حسن يجب أن يكون في قريطم، وتحديداً في مبنى السفارة السعودية، لإعتقاد جازم من أصحاب العقول المريضة أن الضربة الموجعة (المرفوضة من كل اللبنانيين) التي أصابت “محور الممانعة والمقاومة” باستهداف السفارة الإيرانية، لا يردّ عليها إلا بضربة أكثر إيلاماً تسدد للطرف المحلي والإقليمي الرافض للدور العسكري الذي يلعبه هذا المحور في سوريا ولبنان والعراق وكل المنطقة، ولأن هذه العقول الصدئة، تفترض أو تحاول أن تقنع نفسها بأن ما تعرضت له سفارة إيران هو نتاج معركة إقليمية تخوضها طهران وحلفاؤها ضدّ محور الاعتدال العربي وعلى رأسه المملكة العربية السعودية، لا ضير عندهم في خوضها في لبنان، تماماً كما سبق لهم وأفتوا بأن يذهب اللبنانيون ليتقاتلوا على أرض سوريا. لأن السياسة الإيرانية تقوم على خوض حروبها على أرض الآخرين. لكن حسابات هذا المحور لا يمكن إسقاطها على الدور السعودي لا في لبنان ولا في المنطقة، وهم يدركون قبل غيرهم أن السعودية لم تعتد يوماً لعب أوراق أمنية في أي دولة، وهي تنبذ ثقافة تحويل دماء الأبرياء الى ورقة سياسية يمكن مقايضتها في أي مفاوضات إقليمية أو دولية، كما أنها لا تجيد سياسة التهديد بقطع الأيدي والأعناق.
أما في البعد السياسي، فربما أصابت الخيبة هؤلاء، لأن التفاهمات الدولية التي أرستها دول الغرب، إن لجهة التخلص من السلاح الكيميائي السوري، أو لجهة اتفاق جنيف على الملف النووي الإيراني، لم تفضِ الى عزل السعودية وتحجيم دورها في المنطقة، بل على العكس، أيقنوا أن الدور السياسي الإقليمي للمملكة آخذ في الإتساع، سيما وأن بلاد الحرمين أثبتت أن لا أحد يستطيع القفز فوقها أو تجاهل دورها ونفوذها في المنطقة أياً كانت التفاهمات، ولم يفلح محور المواجهة في تقديم المملكة على أنها مولّدة للتطرف، في حين أن العالم يدرك جيداً أنها الضامن للاعتدال ليس السني فحسب، بل للاعتدال الإسلامي بكل مذاهبه.
من هنا يمكن مقاربة مرامي البلاغ الكاذب، الذي يأتي في سياق التهديدات المتواصلة للمملكة ولمصالحها في لبنان والمنطقة، وربما أن هذه العقلية ترى في الإصرار المنهجي على التلويح بالورقة الأمنية ومحاولات استهداف السفارة السعودية، محاولة لجرّ السعودية الى الردّ عليه بنفس المنطق، لتقديم أوراق اعتماد جديدة للأسياد الجدد في الغرب، بأن السعودية تردّ على تطرفهم بتطرف مماثل، على قاعدة “شرّ هذا بشرّ ذاك”.
في مطلق الأحول، إن البلاغ لا يعني أن الأمور انتهت عند هذا الحد، ولا شكّ في أن الجيش اللبناني وكل الأجهزة الأمنية على معرفة ودراية بأن التهديدات الموجهة الى السفارة السعودية جدية وخطيرة، وأن البلاغ الكاذب الذي بدأت الأجهزة تبحث عن مصدره ومن يقف وراءه، ليس أكثر من جسّ نبض لمعرفة الإجراءات التي ستتخذ، ولا خلاف على أن أي عملية إرهابية تطال سفارة المملكة أو أي دولة عربية أخرى قد تفتح الوضع الأمني على المجهول، من هنا فإن الاستنفار الذي اتخذه الجيش والقوى الأمنية يتماشى وحجم التهديد الذي لا يمكن تجاهله أو التغاضي عنه، ليس من باب اتهام فريق محدد، إنما من باب احتمال دخول أي طرف له مصلحة في ضرب الأمن والاستقرار في البلاد.
في هذا الوقت أوضح مرجع أمني لـ”المستقبل”، أن “البلاغ الكاذب حمّال أوجه كثيرة، لكنه في المحصلة يهدف الى إرباك الوضع العام في البلاد، سيما وأنه يطال سفارة دولة لها ثقلها ووزنها”. ولم يخفِ المصدر أن “السفارة السعودية هي في حالة حذر أمني، لكنها ليست في خطر”. مؤكداً أن “حمايتها وحماية كل السفارات المتواجدة على الأراضي اللبنانية من مسؤولية الدولة اللبنانية بكل أجهزتها العسكرية والأمنية”، رافضاً “الربط بين تفجير السفارة الإيرانية بتوقيته وأهدافه وأبعاده، وبين تهديد السفارة السعودية”، مبدياً اعتقاده أن “التفجير الذي طاول السفارة الإيرانية له أبعاد دولية أكثر من الأبعاد المحلية والإقليمية”.