قلنا في السابق إنّ إيران هي مَن يفاوض الغرب لأسباب مختلفة، أبرزها وضعها الإقتصادي المزري وشحّ احتياطها المالي في مقابل التزاماتها تجاه أحلافها المكلفة، وإنّ مجرد بقاء يدها على الزناد لَهُوَ أمر مُكلف أيضاً، والبقاء تحت الرقابة الإسرائيلية مخابراتياً، أو بواسطة الأقمار الإصطناعية والمواجهة عبر حروب المعلوماتية الجارية سراً أو جهراً لَهُوَ أمر مُكلف أيضاً.
وتجربة إيران مع الحروب، ولا سيما منها حربها الطويلة مع العراق التي فاق ضحاياها الـ 500 ألف قتيل ومفقود إيراني تقريباً، كما تكبّدت ما يقارب المليون جريح، هي درس كبير في التاريخ الإيراني المعاصر.
ولأنّ حلفاء إيران يخوضون معها كتفاً إلى كتف حرباً ضروساً في سوريا يواجهون فيها شعباً وثوّاراً و”نصرة” و”داعش” وأكراد، فهذا أمر مُكلف أيضاً.
ولأنّ سوريا النظام قد سلّمت سلاحها الكيماوي في ربع الساعة الأخير قبل وقوع الضربة المحتملة، ما أضعف موقع هذا النظام بين حلفاء إيران المستنزفين يميناً ويساراً. كل ذلك، إلى جانب العقوبات الصارمة المتخذة بحقّ إيران، ينعكس سلباً عليها، لا سيما على اقتصادها.
وبعد توقيع إيران اتفاقاً موَقتاً يتيح لها تخصيب اليورانيوم في حدود معينة لأبعاد غير حربية، وإن كان البعض قد حاول أن يُضفي عليه نوعاً من الانتصار مثلما قيل يوم تسليم النظام السوري السلاح الكيماوي حيث اعتبره البعض انتصاراً أيضاً، فهل شاهدتم يوماً رابحاً لحرب معينة يسلّم سلاحه؟ وهل سلّمت يوماً الولايات المتحدة أو إسرائيل قنابلها النووية أو مشاريع هذه القنابل إلى أحد؟
وإذا لم يكن هذا الإتفاق بمفهوم البعض الآخر انتصاراً، فإنه بالتأكيد قد أزال فتيل الحرب المحتملة على إيران ومَنع اشتعال الشرق بمشاركة الغرب. أما الحروب الصغيرة الدائرة فيه من العراق الى سوريا ومصر وليبيا وسواها من الدول التي تعيش حروباً مقنّعة، فهذا يعود لكون الحروب الظاهرة فيها ممنوعة مثلما هو حاصل في لبنان، وهذه الحروب يستفيد منها الغرب من خلال تقهقر هذه الأنظمة والجماعات والشعوب التي لا بد من أن تبقى في حاجة إلى مساعدة الغرب في ظل وجود إيران غير نووية عسكرياً، الأمر الذي يريح العالم العربي، ولا سيما منه منطقة الخليج مع وجود طموح لدى السعودية لأن تكون دولة نووية أيضاً. إضافة إلى كلّ ذلك، فمن أهم نتائج الإتفاق مع إيران تنازلها عن طموحها النووي الحربي الذي لا بد من أن ينعكس تغيّراً في سياساتها لجهة إدارة الأحلاف العسكرية التابعة لها والإبقاء عليها في جانبها السياسي، ما يريح المنطقة برمّتها.
كذلك، فإنّ مستقبل هذا الإتفاق لا بد من أن يتسِع ليشمل اتفاقاً على تهدئة شاملة في الشرق الأوسط تشمل محوَري إيران والسعودية، فتتوقف طهران عن استفزاز العالم العربي والتدخّل في شؤونه ومحاولة قلب الأنظمة فيه، ما يؤدي إلى الخروج من نفق الانتظار بما يُلامِس الانفراج ويسمح بالحوار الدائم وصولاً إلى التعايُش بين مشروعين في المنطقة من دون المزاوجة بينهما.
أما ما يؤكد أنّ فتيل الحرب الكبرى في الشرق الأوسط قد أزيل، فهو تهليل الدول السِت بأنها تمكنت من إخماد هذه الحرب ومعالجة المشكلات المتفاقمة منذ سنوات من خلال الديبلوماسية، وهي لذلك بدأت تضع جدولاً زمنياً لمعالجة مشكلات أصغر حجماً من الملف النووي الإيراني وهي المسألة السورية، بحيث حُدّد 22 كانون الثاني 2014 موعداً لانعقاد مؤتمر “جنيف ـ 2”.
وما انتهاء الفترة الموقتة للإتفاق الموقّع مع إيران، والمحددة بستة أشهر، إلّا موعداً آخر لمعرفة مستقبل التسوية الشاملة في الشرق الأوسط، وربما يتخلّل هذه المرحلة بداية استقرار قد ينسحب على دول عدة، منها لبنان ومصر والعراق.
أمّا إذا لم يكن هناك نيّة صادقة لدى الجانب الإيراني لالتزام الإتفاق، فإنّ احتمال المواجهة سترتفع أسهمه، فيما المؤشرات الإيرانية لا توحي بذلك، وقد بوشر بنَزع كلّ أشكال النزاع مع الغرب والتسويق لفكرة الحلول الديبلوماسية والسياسية.
عسى ألّا تطول مدة الوصول إلى تسوية، وألّا يكون لبنان الدولة ضحيتها، بل تحترم معايير هذه التسوية سيادة الدوَل، وتُنهي دور الجماعات وتفكك ارتباطاتها ليتقدّم مفهوم المواطنية، بانتماء المواطن إلى دولة وليس لأيّ شيء آخر.