ليس قليلاً ما استنزفه “الاتفاق النووي” من حبر وورق وكلام وحناجر، في بضعة أيّام، بين براغماتيّة موقّعيه و”انتصاريّة” أتباعهم أو أذيالهم.
ومع بدء انحسار شيء من الغبار، وخفوت ضجيج “الانتصار” المجّاني، لا بدّ من بعض الهدوء لرؤية خريطة الطريق، وإجراء مقاربة أوّليّة لخسائر إيران وأرباحها، مع فريقها المحموم.
الثابت أنّ الربح الإيراني الأهمّ هو في قطاعات المال والاقتصاد والتجارة: رفع تدريجي للعقوبات، تحرير أجزاء من الأموال المجمّدة، عقود تجاريّة وصناعيّة جديدة وحركة استثمار وشركات، كانت طليعتها غرفة تجارة مشتركة بين واشنطن وطهران.
والربح المهمّ أيضاً في إعادة بناء الثقة، ولو ببطء وحذر. هذا ربح معنوي لا يقلّ شأناً عن المال والاقتصاد، بل هو المدخل والشرط اللازم لأيّ اتفاق أو صفقة.
ربح ثالث، ولكن غير أكيد وغير ثابت، هو في السياسة: نفوذ إيران في محيطها وعمق الشرق العربي، من عبادان إلى لبنان
هذه مسألة لا تزال شديدة الغموض، في خلفيّات الاتفاق وخفاياه. ولكنّ لا شيء يدفع للظنّ أنّ هذا النفوذ سيتكرّس أو يزداد ضمن رقعة شطرنج القوى ذات الحضور وهي على الأقلّ 4: السعوديّة، تركيّا، مصر وإسرائيل.
بل، في القياس، إيران واحدة من 5 قوى تتقاطع في مجالات النفوذ، وليست “الفضلى” ولا “الأُولى”.
على ألاّ يكون نفوذها في بعض العراق وسوريّا ولبنان مزعجاّ أو مقلقاً للعرب والعالم، وبالتأكيد ليس على الصورة “القتاليّة” القائمة راهناً في تشكيلاتها المسلّحة من “الحرس” و”الحزب” و”الفضل العبّاس” و”السرايا” هنا وهناك، إلى حكومة طوع بنانها في بغداد، وأُخرى في دمشق.
هذه الأرباح، بما فيها النفوذ السياسي المبرمج، ليست سوى نتيجة منطقيّة للخسارات النوعيّة الكبرى التي مُنيت بها “الجمهوريّة الإسلاميّة” (هل تبقى كذلك بتسميتها وتركيبتها؟!).
لعلّ الخسارة الأُولى والأشدّ وقعاً هي خسارة الإسم أو العنوان (لايبل)، وهو مجموعة شعارات تبدأ ب”مواجهة الاستكبار العالمي” و”المقاومة والممانعة”، وتمرّ ب”الشيطان الأكبر”، وتنتهي بإلغاء إسرائيل. والشعار المستجدّ “محاربة التكفيريّين” هزيل وكاريكاتوري لا يصلح لسدّ الفراغ.
ربّ قائل إنّ هذه الشعارات كانت خادعة وانتهازيّة في الأساس. صحيح، ولكنّها انحفرت كعقيدة.
إنّها إذاً، خسارة عقائديّة كيانيّة هائلة، ربّما لا يدرك كثيرون الآن حجمها، وتأثيرها المدمّرعلى منظومة نظام الملالي، ونهايته المحتومة. ومن الطبيعي أن تكون المعارضة الإيرانيّة تستعدّ منذ الآن لاستعادة أنفاسها بعد القمع المديد.
تحت هذه الخسارة الوجوديّة تندرج الخسائر الأخرى، من إخضاع التخصيب لسقف منخفض جدّاً، إلى المراقبة الدوليّة اللصيقة، إلى تقليم أظافر الصقوريّة الإيرانيّة في الإقليم.
إيران أُخرى بدأت تولد من رحم جنيف. منزوعة الأنياب النوويّة والأحلام الإمبراطوريّة. وحتّى لو سُمح لها ذات سنة بامتلاك قنبلة نوويّة فسيكون قرارها في يد المجتمع الدولي الذي أجلسها على مقعد جنيف.
هذه الإيران بدأت تدفع بالعملة الصعبة، عملة “الأهداف والمبادىء”، ثمن ولادتها الجديدة والاتفاق السهل. وأيّ تراجع منها يجعل التغيير فيها حتميّاً، فهي واقعة بين تغييرَيْن: بطيء سلس، أو دراماتيكي.
وما على كلّ الشاغلين على “انتصاراتهم” الوهميّة إلاّ أحد أمرين: إمّا الخروج من غفلتهم وإمّا تلقّي الصدمة.
ولا يمكن إغفال “حزب الله” المنشغل ب”انتصاره”: بدأ مفعول تصدير الثورة بالإنتهاء، وبات ملحّاً البحث عن خطاب جديد بعد سقوط صلاحيّة القديم بكلّ شعارات التحشيد والتعبئة. والمعادلة واضحة: إحتواء قوّة إيران تعني احتواء قوّة “حزب الله”، نحو تقاعد سلاحه.
فائض القوّة سيرتدّ حكماً على أهله. تصريفه في سوريّا بات انتحاراً وجثثاً عائدة يوميّاً. وتصريفه في لبنان بين الأشرفيّه وصيدا وطرابلس والبقاع والاستعصاء الحكومي يتحوّل إلى انحسار وانعزال.
لم يكن الكلام الكثير عن “الاتفاق التاريخي” مجافياً كلّيّاً للحقيقة. والتشبيه مع سايكس – بيكو، ويالطا، وكمب دايفد.. ليس مجرّد خيال برغم المبالغة والتسرّع في البتّ والقطع.
هناك عمليّة احتواء واسعة تحصل، فيها توزيع وتنويع، وتنظيم وتحجيم. خرائط في الجغرافيه السياسيّة. جداول وظائف وأدوار..
وحدَهم مرضى القوّة مدعوّون إلى التفكير في طريقة التخلّص من عبء قوّتهم والشفاء من عقدة “النصر”.
السلاح يقتل حامله، قالت حكمة الأجداد.