يقول الشاعر الهندي الكبير طاغور “عطاياكَ كثيرة ويداي صغيرتان يا رب”. يبدو ان هذا البيت الشعري ينطبق رائعاً على جماعات 8 آذار وحزب الله وصولاً إلى بعض الهتّافين من الصحافيين أو المخبرين أو “الخُبراء”. ليس منذ اليوم أي بعد الاتفاق المرحلي في جنيف بل ومنذ ان كان لحزب “الرب” أن يُغامر بحروب داخلية وبارتهانات خارجية. فالحزب “الصغير” (حزب جزء من طائفة) تمطر عليه سيولاً الانتصارات في كل خطوة يخطوها (وهي مباركة من رب الأرباب) أو كل اعتداء يرتكبه على العُزّل في لبنان، أو في أي اغتيال يظفر به ربما بالجنة، أو بمزيد من الانتفاخ النرجسي. نتذكر ان هذا الحزب “الفريد” بشهامته، و”كبريائه” وعظمته (وهو مجرد أداة صغيرة في نظام ايراني واسع) قد انتصر على اسرائيل! عال! رائع. ولكن هذا الانتصار قطفته ايران أي دفاعه عن جنوب لبنان كان مزدوجاً: تحرير الأرض ولكن تنفيذ مخطط ولاية الفقيه. النتيجة: انه حرّر الجنوب من الاحتلال الاسرائيلي وسلمه لاحتلالين سوري وفارسي، فانتصاره مزدوج على اسرائيل، لكن من اجل نفوذ ايران. انتقل قرار الحرب والسلم من أيدي منظمة التحرير الفلسطينية وحلفائها إلى النظامين البعثي السوري ومحور “الهلال” الطويل. عال! إذاً لمن كان يقاوم؟ هذا هو السؤال.
ثُمّ، استدرج اسرائيل في حرب تموزية تافهة. فدمرّت ما دمرت. وقتلت من قتلت. والحصيلة : 3750 قتيلاً وجريحاً لبنانياً مقابل 70 جندياً اسرائيلياًُ! وبعد الاحصاء الدقيق والتمحيص الوافي أعلن الحزب انتصاره. وهنا وقبله اعلنت ايران انها انتصرت بأداتها “اللبنانية” على العدو الصهيوني الذي لم تحاربه ولأن الحزب متعطش للقتال، والقتال يعني “شرعاً” وسياسة انتصاراً مبيناً، فقد غزا بيروت (نتذكر غزوة شارون 1982).
وفي هذه الغزوة الجاهلية الهمجية في 7 أيار “المجيد” على لبنان، اعلن الحزب فوزاً صاعقاً. أين؟ في وسط بيروت، وشارع الحمراء وصولاً إلى الجبل. وفي غمرة نشوته الصوفية بالقتل والعدوان أحرق جريدة “المستقبل” وتلفزيون “المستقبل” وقضى على اكثر من 100 لبناني جلّهم عُزّل. رائع! فالجنوب المُحتل ارض “جهادية” وبيروت والجبل كذلك. وعندما كرت سبحة الاغتيالات وهو من صُلبها نجح مع حليفيه الخارجيين في اعدام رموز لبنانية، لتنويع الانتصارات من المعارك الجماعية إلى التصفية الفردية. وهذا لعمري تطور “نوعي” في فقه العلاقة الحزبية بالله (وقد انتحل اسمه من شدة تواضعه) وفي تفقيه الدم. دم الأعداء، اي دم كل من ليس مع محور الممانعة… والمرحومة المقاومة! ثم، وبين اعدام واعدام، كان على الحزب ومن خلال الحرس الثوري وخبراته، ان يطلق “أيوب”: طائرة بلا طيار، إلى اسرائيل. واحتفالاً بجذوره المقاومة اللبنانية المتينة اعطى المعلومات التي سجلتها الطائرة إلى اربابه في ايران وليس لأحد في لبنان لا حكومته السوداء ولا الجيش ولا مجلس النواب… ولا رئاسة الجمهورية. انه بابا نويل لبنان بكل ما تعني الكلمة من كرم. لكنه يأخذ من لبنان ويُهدي صانعَه الفارسي. (وتتكلمون على التحرير والسيادة… ما أغباكم!) وعندما اعلن الشعب السوري (المقاوم الحقيقي اليوم) ثورته على النظام البعثي اعلن الحزب تمسكه بسياسة النأي. وراح يتهم الآخرين ويحذرهم من التدخل في الحرب الدائرة هناك. هذا انتصار في الزمن الضائع. وفي الزمن المريب انتظاراً للحظة الحقيقة ولحظة الحقيقة سطعت هذه المرة من ولاية الفقيه (منبع الحقائق العظمى). لا نأي بالنفس ولا من ينأون. تفضلوا اجمعوا سلاحكم. (اي السلاح الإيراني الموهوب للحزب) و”جاهدوا” في سوريا دفاعاً عن النظام السوري. فحملوا ما حملوا بعزيمة ايمانية لا تُفلّ (خصوصاً لحماية مقام السيدة زينب) ورفعوا ارواحهم واجسامهم ولبوا نفير الولي الفقيه. وهذا انتصار مبني على الذات اولاً بنقضها اعلان بعبدا، وسياسة النأي بالنفس. او الأحرى انتصار مُبطن وواعد ومشرق. انترك مقام السيدة زينب هكذا بين “براثن” من بَنَوه من السُّنة وحَمَوه أكثر من الف عام! لا! ولا! ولا! فهو انتصار استباقي. وبالفعل انتصر مقام السيدة زينب بدماء من لبّوا “الواجب الجهادي” (ليس في مزارع شبعا ولا في الجولان ولا في عربستان بل هناك في قلب العروبة النابض). وبفضل هذا الانتصار لم يسلم المقام ولم يسلم الجهاديون. الانتصار الضمني المعلن، الجَّهور عندما زعق وزعيقهم طَرَبٌ اهلُ الحزب تيمناً بأربابهم في بلاد فارس. بأنهم في الواقع، ذهبوا ليدافعوا عن النظام العروبي (خدمة للفارسية) في وجه الشعب العربي السوري. وهذا، لعمري، انتصار آخر يتمثل بنزع القناع عن أسباب “استشهاد” شباب الحزب في “القصير” وفي حلب، وفي حمص… والقلمون. (فكل هذه الأماكن باتت مقام السيدة زينب). انتصار بالشهامة والشفافية على الأنفس المتلهفة إلى الجنّات. رائع! عاد مئات الذين ارسلوا إلى هناك محملين على النعوش. وهذا ايضاً انتصار. فالجهاد في حد ذاته، وفي ارض الجهاد (أي الشعب السوري) انتصار وكل قتيل روى التراب السوري من أهل الحزب هو انتصار له، (فالجنة فتحت ذراعيها لاستبساله) والاعلان عن سقوطه من شجاعة المنتصرين. (ألم نقل في كل خطوة انتصار) ثم جاءت معركة “القصير”.. (وهي قرية استقبل اهلوها النازحين من الجنوب اثر العدوان الاسرائيلي وفتحوا لهم أبوابهم وقلوبهم. الم نقل انه حزب “الوفاء” ! وها هو يرد الجميل بأحسن منه: قتل الحزب أعداداً غفيرة من اهل القصير ونهب منازلهم ودمر كل شيء عندهم). اذاً هنا عدة انتصارات متداخلة: المعركة، ثم النهب، ثم اعدام بعض الأسرى، ثم محو القرية… ثم والمهم اعلان ايران انتصارها المبين في “القصير” بدم اللبنانيين الذين دفعهم الحزب إلى هناك كذبائح النظام السوري والإيراني! أكثر: باسقاط القصير اعلن الحزب صوابية نظرته “النبوية” في الانخراط في الحرب.. والدليل ان “بيئته” الحاضنة التي تقدم الضحايا.. ها هي في أوج عزتها وكرامتها، وها هي تستقبل القتلى بروح عالية، وباقتناع كامل بأن الحزب كان على حق، (والحزب دائماً على حق! المرشد الرسولي في بلاد فارس). اذاً شعور جماعي بالانتصار يعبر عنه. خصوصاً أهل الضحايا في الجنوب والبقاع… رائع! ( وقد مُنِعت الأمهات وأهالي الضحايا من البكاء أو التأسف على ابنائهم!) أمام وسائل الاعلام (هل تحصون معي عدد الانتصارات حتى الآن؟) ثم اراد الحزب تعزيز هذه “الرؤى” (اللوناتيكية) والأماني الشيزوفرانية والأحلام “الهيستيرية” فراح يبث عبر “رموزه” ان المعركة ستحسم قريباً في سوريا. لمصلحة من؟ طبعاً لمصلحة ايرانه والنظام السوري. وقد خيل للناس ان الثورة السورية انهارت فعلاً، وفي كل الأرجاء السورية ولم يتبق سوى مواقع صغيرة تحتاج إلى “تنظيف” خصوصاً في معارك ريف دمشق وحلب. النظام يسترد المبادرة! لكن بفضل من؟ طبعاً الحزب الذي صرخ عالياً، بأفواه بعضهم بأنه منع سقوط دمشق في أيدي الثوار. (وهنا اعلان انتصار خاص به، وفي الوقت نفسه تقليل من شأن ما تبقى من نظام الأسد!). واهتز أهل 8 آذار خيلاء وطرباً لهذه الأخبار. وهذه الانتصارات للحزب الذي لا يُقهر (هذا ما كان يقال عن الجيش الاسرائيلي) تمايلت فروع التبغ وزغردت الطيور ورقصت اشجار الزيتون والبرتقال والاكي دني في بساتين الجنوب حتى وصلت إلى حقول الحشيشة في البقاع زهواً بالانتصار! وبين هذا الانتصار وسواه، ها هو النظام ومن فرط قوة حزب الله وتقدمه على كل الجهات يقتل 1500 سوري بالسلاح الكيماوي. واذا كان قتل السوريين بالكيماوي اضافة نوعية لفوزهم، فما بالك اذا تراجع الغرب، عن ضرب سوريا… انتصار اول بقتل الشعب السوري والأطفال بالسلاح المحرم، وثم تراجع الغرب عن التدخل المسلح في سوريا وهكذا ارتفعت اكف اهل 8 آذار وحزب 7 أيار إلى الرب شاكرة نعمه “عطاياه كثيرة وأيديهم صغيرة”! يا الله! فلتُرفع الصلوات في ارجاء “المنار” حمداً بآيات الشكر. اذاً حتى الآن لم يعرف الحزب سوى الانتصارات لكن مهلاَ، لا تستبقوا الاحداث فكل ما حققه الحزب في تموز، و7 أيار، وفي الاغتيالات وفي انقلاب القمصان السود، وهيمنته على المطار والمرفأ وحمايته المتهمين باغتيال الشهيد رفيق الحريري ورموز 14 آذار وهيمنته على بعض الجيش، والأمن العام. ليست شيئاًَ يذكر اذا ما قيست تاريخياً بالانتصار على الغرب وأميركا وبعض الدول العربية، وربما على العالم، اذا ما قيست بالاتفاق التاريخي بين ايران والغرب وتحديداً الشيطان الأكبر أمريكا، رائع! “اميركا تخضع لايران!” (وحزب الله بتلحقو طرطوشي!)” الغرب صاغر”، “ذليل”، عند قدميها، لا يريد سوى رضاها وها هي ايران ترفع العقوبات التي فرضتها على بلاد العم سام. وتكسر الحصار الاقتصادي عليها بعدما راح الشعب الأميركي يئن تحت وطأة جبروت ايران عليه وعلى صناعته وعلومه وتاريخه بل ها هو الشيطان الأكبر يعود إلى “أصله” “الديني ملاكاً يطوف فوق رؤوس روحاني وخامنئي والحرس الثوري… وصولاً إلى رؤوس الحزب! انها معجزة ! معجزة! كيف جاءت اسراب هذه الملائكة من جهنم أميركا السوداء. كيف صار الشيطان ذو الذيل الأسود والسحنة المخيفة, والقرنين الحادين والعينين الشريرتين…ملاكاً بأجنحة بيضاء هفهافة وهللويا… كل هذا يعود إلى قوة ايران: فهي انتصرت (مع الحزب اوعا تنسوا) عندما نُزعت الأسلحة الكيماوية من سوريا (لقاء التراجع عن الضربة الوهمية) فارتاحت اسرائيل، وكذلك حققت ما لم يحققه احد عندما جردت من سلاحها النووي الحربي، او تحديد التخصيب ليتلاءم فقط مع الأهداف السلمية وغير العسكرية… انه فخر الصناعة الايرانية، لكن هذه المرة أهَدِي “الانتصار” ايضاَ لاسرائيل التي اطمأنت الى ان ايران تخلت عن منافستها النووية. لاسرائيل وحدها الحق في امتلاك أكثر من 300 صاروخ نووي، وهذا لعمري، وبعد الجهود والحروب والجنون والتعب مجرد مكافأة لايران! او لم تتقاطع الدولتان العبرية والفقهية في حماية النظام السوري ولو! او لم تتحالف سابقاً ايران واسرائيل والولايات المتحدة على اسقاط النظام العراقي؟ الم تسكت اسرائيل على تدخل الحزب بسوريا، وركزت على “التكفيريين”؟ اذاً، ماذا تريدون أكثر من هذه الانجازات منا؟ فبعد مئات الشهداء في سوريا من الحزب، ها هو اتفاق جني يكفكف دموع الأرامل واليتامى وها هو يستعيد حقهم ويُجزي جهادهم! رائع! انتصرنا! ها نحن شامخون فوق مئات الوف الجثث من الشعب السوري (وقبل ذلك اللبناني) فلنقرع الانخاب بالماء المقدس فاحتفلوا يا “بني امي” (على قولة جبران) فجني لنا والتخصيب العقيم لنا. ولاسرائيل الكيماوي والنووي. الثمن! آه! هنا السؤال. هنا الارتباك. هنا التخوف. فاذا نجحت “المرحلة الاختبارية” النووية بين ايران والملاك الهفهاف الأكبر، ومعه القديسون والأولياء، وان الجولان ستبقى مع اسرائيل. وان الجنوب اللبناني سيكون في حالة سلم (هل تعود مزارع شبعا) وان حتى شعارات مثل “سترمي اسرائيل في البحر” وسنزيل اسرائيل من الوجود ستشطب من الأفواه. وعندها بالذات ماذا يتبقى من دور “الحزب” المزعوم اي “المقاوم” او “الممانع” فلا ممانعة. ولا مقاومة. ولا دور للحزب. سيُحال “ابطال” الحزب على التقاعد. وسيكون السلاح مجرد خردة وحلم “الهلال” الصهيوني ستتبدد. (سبق ان بدّده العربي المجيد). والأحزن بالنسبة الى الحزب، انه منذ اتفاق جني، بدأت المعارضة تستعيد المبادرة وتكبد النظام ووراءه (او أمامه؟) الحزب خسائر فادحة في حلب والغوطة (يحكى عن 250 قتيلاً للحزب في المعارك الأخيرة) بَرَمَ دولاب “الانتصارات” وبرم دولاب المقاومة. وبرم وقع الحزب وها هو بلسان امينه العام يُحيي الاتفاق مع الغرب. وها هي أدوات الحزب الصحافية تردد الأهزوجة لكن من موقع المنتصر. معليش. ولو. وها هي جني 2 بعد جني النووي تطلطل بايقاعات الاتفاق. فالصفقة ليست مجرد نووي وتخصيب و5 بالمائة ولا حتى كيماوي وتبرئة القتلة والسفاحين. هذه صفقة و جني 2 صفقة. وها هي ايران تمد الأيدي الى تركيا. وباعلان مشترك تدعوان الى وقف اطلاق النار بين الجميع لتسهيل امور المؤتمر. وها هو النظام برمزه الاساسي وكأنه بات خارج المعادلة. أف! اف! “عطاياك كثيرة وايدينا صغيرة “ايها الرب” فاذا كانت وبعد عدة أيام، تمت كل الصفقات أو لا يكون “الحزب” (بسلاحه الايراني) ضمنها! كأنه بدا، من خلال افتعال الحزب بعض الاعتداءات على اليسوعية يتهيأ لأدوار اخرى يحل التفصيل فيها محل الاساسي، اي المقاومة والممانعة. (قلب المقاومة تَأمَرَك، وقلب الممانعة تَجَمركَ) وتصبح هذه الأمور الجانبية هي ما يؤكد فيها الحزب وجوده في استعداده للتقاعد، أو للبطالة بلا شغل ولا مهمات.. ويبقى له ان يتأرجح في نهاياته… كظلال وهمية. هنا بالذات تكتشف كم ان الحزب على مظاهر قوته كان هزيلاً ومستعاراًَ ومجرد قناع، ومجرد آلة، ومجرد دمية! مع هذا، سيعتبر الحزب ان كل ذلك يصب في مصلحته… اي كل هذه الهزائم تصنع انتصاره! الم نقل ان هذا الحزب لا يعيش الا بالانتصارات حتى في هزائمه المدوية! رائع! فأهلاً وسهلاً بكم.
لكن السؤال المفترض: اترى سيعرض الحزب خدماته على جهات أخرى؟ اترى، بعد تقاعده في أرض “الجهاد” سيبحث عن اراضي جهاد أخرى، للعمل عند ارباب جدد وأسياد جدد؟
كل شيء محتمل! فلم لا يكون التقاعد مرحلة جديدة، بأقنعة جديدة وبجلود جديدة وبشعارات جديدة… أوليس هذا منطق المستوظفين؟
مع هذا، اهناك احتمالات أخرى؟ ربما! مثلاً: ان توارب ايران كعادتها، لتقبض ثمناً آخر قد يكون تكريس شيء من هيمنتها على لبنان؟
ربما! ولكن هذه المرة، لن يكون لحزبها المفدى ما يشغله كثيراًَ سوى الاستعداد للتقاعد ولو بوجوه جهادية مستعارة.
ثُمّ، استدرج اسرائيل في حرب تموزية تافهة. فدمرّت ما دمرت. وقتلت من قتلت. والحصيلة : 3750 قتيلاً وجريحاً لبنانياً مقابل 70 جندياً اسرائيلياًُ! وبعد الاحصاء الدقيق والتمحيص الوافي أعلن الحزب انتصاره. وهنا وقبله اعلنت ايران انها انتصرت بأداتها “اللبنانية” على العدو الصهيوني الذي لم تحاربه ولأن الحزب متعطش للقتال، والقتال يعني “شرعاً” وسياسة انتصاراً مبيناً، فقد غزا بيروت (نتذكر غزوة شارون 1982).
وفي هذه الغزوة الجاهلية الهمجية في 7 أيار “المجيد” على لبنان، اعلن الحزب فوزاً صاعقاً. أين؟ في وسط بيروت، وشارع الحمراء وصولاً إلى الجبل. وفي غمرة نشوته الصوفية بالقتل والعدوان أحرق جريدة “المستقبل” وتلفزيون “المستقبل” وقضى على اكثر من 100 لبناني جلّهم عُزّل. رائع! فالجنوب المُحتل ارض “جهادية” وبيروت والجبل كذلك. وعندما كرت سبحة الاغتيالات وهو من صُلبها نجح مع حليفيه الخارجيين في اعدام رموز لبنانية، لتنويع الانتصارات من المعارك الجماعية إلى التصفية الفردية. وهذا لعمري تطور “نوعي” في فقه العلاقة الحزبية بالله (وقد انتحل اسمه من شدة تواضعه) وفي تفقيه الدم. دم الأعداء، اي دم كل من ليس مع محور الممانعة… والمرحومة المقاومة! ثم، وبين اعدام واعدام، كان على الحزب ومن خلال الحرس الثوري وخبراته، ان يطلق “أيوب”: طائرة بلا طيار، إلى اسرائيل. واحتفالاً بجذوره المقاومة اللبنانية المتينة اعطى المعلومات التي سجلتها الطائرة إلى اربابه في ايران وليس لأحد في لبنان لا حكومته السوداء ولا الجيش ولا مجلس النواب… ولا رئاسة الجمهورية. انه بابا نويل لبنان بكل ما تعني الكلمة من كرم. لكنه يأخذ من لبنان ويُهدي صانعَه الفارسي. (وتتكلمون على التحرير والسيادة… ما أغباكم!) وعندما اعلن الشعب السوري (المقاوم الحقيقي اليوم) ثورته على النظام البعثي اعلن الحزب تمسكه بسياسة النأي. وراح يتهم الآخرين ويحذرهم من التدخل في الحرب الدائرة هناك. هذا انتصار في الزمن الضائع. وفي الزمن المريب انتظاراً للحظة الحقيقة ولحظة الحقيقة سطعت هذه المرة من ولاية الفقيه (منبع الحقائق العظمى). لا نأي بالنفس ولا من ينأون. تفضلوا اجمعوا سلاحكم. (اي السلاح الإيراني الموهوب للحزب) و”جاهدوا” في سوريا دفاعاً عن النظام السوري. فحملوا ما حملوا بعزيمة ايمانية لا تُفلّ (خصوصاً لحماية مقام السيدة زينب) ورفعوا ارواحهم واجسامهم ولبوا نفير الولي الفقيه. وهذا انتصار مبني على الذات اولاً بنقضها اعلان بعبدا، وسياسة النأي بالنفس. او الأحرى انتصار مُبطن وواعد ومشرق. انترك مقام السيدة زينب هكذا بين “براثن” من بَنَوه من السُّنة وحَمَوه أكثر من الف عام! لا! ولا! ولا! فهو انتصار استباقي. وبالفعل انتصر مقام السيدة زينب بدماء من لبّوا “الواجب الجهادي” (ليس في مزارع شبعا ولا في الجولان ولا في عربستان بل هناك في قلب العروبة النابض). وبفضل هذا الانتصار لم يسلم المقام ولم يسلم الجهاديون. الانتصار الضمني المعلن، الجَّهور عندما زعق وزعيقهم طَرَبٌ اهلُ الحزب تيمناً بأربابهم في بلاد فارس. بأنهم في الواقع، ذهبوا ليدافعوا عن النظام العروبي (خدمة للفارسية) في وجه الشعب العربي السوري. وهذا، لعمري، انتصار آخر يتمثل بنزع القناع عن أسباب “استشهاد” شباب الحزب في “القصير” وفي حلب، وفي حمص… والقلمون. (فكل هذه الأماكن باتت مقام السيدة زينب). انتصار بالشهامة والشفافية على الأنفس المتلهفة إلى الجنّات. رائع! عاد مئات الذين ارسلوا إلى هناك محملين على النعوش. وهذا ايضاً انتصار. فالجهاد في حد ذاته، وفي ارض الجهاد (أي الشعب السوري) انتصار وكل قتيل روى التراب السوري من أهل الحزب هو انتصار له، (فالجنة فتحت ذراعيها لاستبساله) والاعلان عن سقوطه من شجاعة المنتصرين. (ألم نقل في كل خطوة انتصار) ثم جاءت معركة “القصير”.. (وهي قرية استقبل اهلوها النازحين من الجنوب اثر العدوان الاسرائيلي وفتحوا لهم أبوابهم وقلوبهم. الم نقل انه حزب “الوفاء” ! وها هو يرد الجميل بأحسن منه: قتل الحزب أعداداً غفيرة من اهل القصير ونهب منازلهم ودمر كل شيء عندهم). اذاً هنا عدة انتصارات متداخلة: المعركة، ثم النهب، ثم اعدام بعض الأسرى، ثم محو القرية… ثم والمهم اعلان ايران انتصارها المبين في “القصير” بدم اللبنانيين الذين دفعهم الحزب إلى هناك كذبائح النظام السوري والإيراني! أكثر: باسقاط القصير اعلن الحزب صوابية نظرته “النبوية” في الانخراط في الحرب.. والدليل ان “بيئته” الحاضنة التي تقدم الضحايا.. ها هي في أوج عزتها وكرامتها، وها هي تستقبل القتلى بروح عالية، وباقتناع كامل بأن الحزب كان على حق، (والحزب دائماً على حق! المرشد الرسولي في بلاد فارس). اذاً شعور جماعي بالانتصار يعبر عنه. خصوصاً أهل الضحايا في الجنوب والبقاع… رائع! ( وقد مُنِعت الأمهات وأهالي الضحايا من البكاء أو التأسف على ابنائهم!) أمام وسائل الاعلام (هل تحصون معي عدد الانتصارات حتى الآن؟) ثم اراد الحزب تعزيز هذه “الرؤى” (اللوناتيكية) والأماني الشيزوفرانية والأحلام “الهيستيرية” فراح يبث عبر “رموزه” ان المعركة ستحسم قريباً في سوريا. لمصلحة من؟ طبعاً لمصلحة ايرانه والنظام السوري. وقد خيل للناس ان الثورة السورية انهارت فعلاً، وفي كل الأرجاء السورية ولم يتبق سوى مواقع صغيرة تحتاج إلى “تنظيف” خصوصاً في معارك ريف دمشق وحلب. النظام يسترد المبادرة! لكن بفضل من؟ طبعاً الحزب الذي صرخ عالياً، بأفواه بعضهم بأنه منع سقوط دمشق في أيدي الثوار. (وهنا اعلان انتصار خاص به، وفي الوقت نفسه تقليل من شأن ما تبقى من نظام الأسد!). واهتز أهل 8 آذار خيلاء وطرباً لهذه الأخبار. وهذه الانتصارات للحزب الذي لا يُقهر (هذا ما كان يقال عن الجيش الاسرائيلي) تمايلت فروع التبغ وزغردت الطيور ورقصت اشجار الزيتون والبرتقال والاكي دني في بساتين الجنوب حتى وصلت إلى حقول الحشيشة في البقاع زهواً بالانتصار! وبين هذا الانتصار وسواه، ها هو النظام ومن فرط قوة حزب الله وتقدمه على كل الجهات يقتل 1500 سوري بالسلاح الكيماوي. واذا كان قتل السوريين بالكيماوي اضافة نوعية لفوزهم، فما بالك اذا تراجع الغرب، عن ضرب سوريا… انتصار اول بقتل الشعب السوري والأطفال بالسلاح المحرم، وثم تراجع الغرب عن التدخل المسلح في سوريا وهكذا ارتفعت اكف اهل 8 آذار وحزب 7 أيار إلى الرب شاكرة نعمه “عطاياه كثيرة وأيديهم صغيرة”! يا الله! فلتُرفع الصلوات في ارجاء “المنار” حمداً بآيات الشكر. اذاً حتى الآن لم يعرف الحزب سوى الانتصارات لكن مهلاَ، لا تستبقوا الاحداث فكل ما حققه الحزب في تموز، و7 أيار، وفي الاغتيالات وفي انقلاب القمصان السود، وهيمنته على المطار والمرفأ وحمايته المتهمين باغتيال الشهيد رفيق الحريري ورموز 14 آذار وهيمنته على بعض الجيش، والأمن العام. ليست شيئاًَ يذكر اذا ما قيست تاريخياً بالانتصار على الغرب وأميركا وبعض الدول العربية، وربما على العالم، اذا ما قيست بالاتفاق التاريخي بين ايران والغرب وتحديداً الشيطان الأكبر أمريكا، رائع! “اميركا تخضع لايران!” (وحزب الله بتلحقو طرطوشي!)” الغرب صاغر”، “ذليل”، عند قدميها، لا يريد سوى رضاها وها هي ايران ترفع العقوبات التي فرضتها على بلاد العم سام. وتكسر الحصار الاقتصادي عليها بعدما راح الشعب الأميركي يئن تحت وطأة جبروت ايران عليه وعلى صناعته وعلومه وتاريخه بل ها هو الشيطان الأكبر يعود إلى “أصله” “الديني ملاكاً يطوف فوق رؤوس روحاني وخامنئي والحرس الثوري… وصولاً إلى رؤوس الحزب! انها معجزة ! معجزة! كيف جاءت اسراب هذه الملائكة من جهنم أميركا السوداء. كيف صار الشيطان ذو الذيل الأسود والسحنة المخيفة, والقرنين الحادين والعينين الشريرتين…ملاكاً بأجنحة بيضاء هفهافة وهللويا… كل هذا يعود إلى قوة ايران: فهي انتصرت (مع الحزب اوعا تنسوا) عندما نُزعت الأسلحة الكيماوية من سوريا (لقاء التراجع عن الضربة الوهمية) فارتاحت اسرائيل، وكذلك حققت ما لم يحققه احد عندما جردت من سلاحها النووي الحربي، او تحديد التخصيب ليتلاءم فقط مع الأهداف السلمية وغير العسكرية… انه فخر الصناعة الايرانية، لكن هذه المرة أهَدِي “الانتصار” ايضاَ لاسرائيل التي اطمأنت الى ان ايران تخلت عن منافستها النووية. لاسرائيل وحدها الحق في امتلاك أكثر من 300 صاروخ نووي، وهذا لعمري، وبعد الجهود والحروب والجنون والتعب مجرد مكافأة لايران! او لم تتقاطع الدولتان العبرية والفقهية في حماية النظام السوري ولو! او لم تتحالف سابقاً ايران واسرائيل والولايات المتحدة على اسقاط النظام العراقي؟ الم تسكت اسرائيل على تدخل الحزب بسوريا، وركزت على “التكفيريين”؟ اذاً، ماذا تريدون أكثر من هذه الانجازات منا؟ فبعد مئات الشهداء في سوريا من الحزب، ها هو اتفاق جني يكفكف دموع الأرامل واليتامى وها هو يستعيد حقهم ويُجزي جهادهم! رائع! انتصرنا! ها نحن شامخون فوق مئات الوف الجثث من الشعب السوري (وقبل ذلك اللبناني) فلنقرع الانخاب بالماء المقدس فاحتفلوا يا “بني امي” (على قولة جبران) فجني لنا والتخصيب العقيم لنا. ولاسرائيل الكيماوي والنووي. الثمن! آه! هنا السؤال. هنا الارتباك. هنا التخوف. فاذا نجحت “المرحلة الاختبارية” النووية بين ايران والملاك الهفهاف الأكبر، ومعه القديسون والأولياء، وان الجولان ستبقى مع اسرائيل. وان الجنوب اللبناني سيكون في حالة سلم (هل تعود مزارع شبعا) وان حتى شعارات مثل “سترمي اسرائيل في البحر” وسنزيل اسرائيل من الوجود ستشطب من الأفواه. وعندها بالذات ماذا يتبقى من دور “الحزب” المزعوم اي “المقاوم” او “الممانع” فلا ممانعة. ولا مقاومة. ولا دور للحزب. سيُحال “ابطال” الحزب على التقاعد. وسيكون السلاح مجرد خردة وحلم “الهلال” الصهيوني ستتبدد. (سبق ان بدّده العربي المجيد). والأحزن بالنسبة الى الحزب، انه منذ اتفاق جني، بدأت المعارضة تستعيد المبادرة وتكبد النظام ووراءه (او أمامه؟) الحزب خسائر فادحة في حلب والغوطة (يحكى عن 250 قتيلاً للحزب في المعارك الأخيرة) بَرَمَ دولاب “الانتصارات” وبرم دولاب المقاومة. وبرم وقع الحزب وها هو بلسان امينه العام يُحيي الاتفاق مع الغرب. وها هي أدوات الحزب الصحافية تردد الأهزوجة لكن من موقع المنتصر. معليش. ولو. وها هي جني 2 بعد جني النووي تطلطل بايقاعات الاتفاق. فالصفقة ليست مجرد نووي وتخصيب و5 بالمائة ولا حتى كيماوي وتبرئة القتلة والسفاحين. هذه صفقة و جني 2 صفقة. وها هي ايران تمد الأيدي الى تركيا. وباعلان مشترك تدعوان الى وقف اطلاق النار بين الجميع لتسهيل امور المؤتمر. وها هو النظام برمزه الاساسي وكأنه بات خارج المعادلة. أف! اف! “عطاياك كثيرة وايدينا صغيرة “ايها الرب” فاذا كانت وبعد عدة أيام، تمت كل الصفقات أو لا يكون “الحزب” (بسلاحه الايراني) ضمنها! كأنه بدا، من خلال افتعال الحزب بعض الاعتداءات على اليسوعية يتهيأ لأدوار اخرى يحل التفصيل فيها محل الاساسي، اي المقاومة والممانعة. (قلب المقاومة تَأمَرَك، وقلب الممانعة تَجَمركَ) وتصبح هذه الأمور الجانبية هي ما يؤكد فيها الحزب وجوده في استعداده للتقاعد، أو للبطالة بلا شغل ولا مهمات.. ويبقى له ان يتأرجح في نهاياته… كظلال وهمية. هنا بالذات تكتشف كم ان الحزب على مظاهر قوته كان هزيلاً ومستعاراًَ ومجرد قناع، ومجرد آلة، ومجرد دمية! مع هذا، سيعتبر الحزب ان كل ذلك يصب في مصلحته… اي كل هذه الهزائم تصنع انتصاره! الم نقل ان هذا الحزب لا يعيش الا بالانتصارات حتى في هزائمه المدوية! رائع! فأهلاً وسهلاً بكم.
لكن السؤال المفترض: اترى سيعرض الحزب خدماته على جهات أخرى؟ اترى، بعد تقاعده في أرض “الجهاد” سيبحث عن اراضي جهاد أخرى، للعمل عند ارباب جدد وأسياد جدد؟
كل شيء محتمل! فلم لا يكون التقاعد مرحلة جديدة، بأقنعة جديدة وبجلود جديدة وبشعارات جديدة… أوليس هذا منطق المستوظفين؟
مع هذا، اهناك احتمالات أخرى؟ ربما! مثلاً: ان توارب ايران كعادتها، لتقبض ثمناً آخر قد يكون تكريس شيء من هيمنتها على لبنان؟
ربما! ولكن هذه المرة، لن يكون لحزبها المفدى ما يشغله كثيراًَ سوى الاستعداد للتقاعد ولو بوجوه جهادية مستعارة.