“لولا غلطة مختار “المزرعة ـ بيروت” سنة 1945 لغادرت مكتبي منذ أسبوع”. بهذه العبارة يستقبلك الرئيس عمر الناطور، مدير عام وزارة العدل في يومه الوظيفيّ الأخير، تاركاً مركزه بالانابة الى رئيس المعهد القاضي سامي منصور لمدة لن تتجاوز الشهر ليأتي من بعده بالانابة أيضاً رئيس هيئة القضايا في وزارة العدل القاضي مروان كركبي في ظل الحكومة المصرفة للأعمال، غير القادرة على تعيين مدير عام أصيل أسوةً بالعديد من مراكز الفئة الأولى التي شغرت سابقاً وغيرها من المُشرفة على الشغور لاحقاً.
يترك “ناطور العدل” مكتبه والوظيفة الرسمية، مرتاح الضمير لسيرته والمسيرة التي تجاوزت مطبّات عدة وتكللت بنجاحات كثيرة، كان أبرزها مواكبة أدقّ التفاصيل المتعلقة بتدويل المحكمة على خلفية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، لينتقل اليوم إلى مواصلة العمل في الشأن العام، سعياً للمساهمة في ترسيخ نهج الاعتدال في عصر التشنج المذهبي الذي يبلغ ذروته على وقع العمليّات الانتحارية التي ظنّ اللبنانيون أنها صفحة سوداء من تاريخ لبنان، طويت إلى غير عودة.
لا يعتبر الناطور أن الأفق بات مسدوداً، ولا يتشاءم بالرغم من كلّ الغيوم السود الملبَّدة، فلبنان الذي يعرفه عائِد ولو بعد حين، و”ميزان العدل لا يستقيم إلا بالوسط” وعملاً بالآية الكريمة يضيف: “نحن أمة وسط”. ويؤكد أن “ما يجري اليوم في العالم العربي هو مخاض متوقع كون الانتقال من الديكتاتورية وحكم الأنظمة المستبدّة إلى الديمقراطية ليس بالأمر السهل ولا هو رحلة زهرية”، لكن المشكلة الأساسيّة بنظره “تكمن في إقحام لبنان في أتون صراع المحاور المقيت والذي سيخلص بنهاية المطاف بتسوية الـ”لا غالب ولا مغلوب”، ليجلس الجميع إلى طاولة واحدة لأن لبنان ليس لفئة من دون أخرى ولن يكون مهما حاول المحاولون”.
من يعرف “الريّس عمر” عن قرب، يكاد يخاله عرّاب التسويات الاقليمية لناحية حديثه عنها بالتفصيل غير المُمِل قبل ولوج فجرها. لا ينكر المدير العام (السابق) لوزارة العدل اعجابه بـ”أداء رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان الذي انتشل لبنان من مهب الصراع عبر الوثيقة ـ الإنجاز (إعلان بعبدا) الرامية إلى “تحييد لبنان” وليس الحياد، عن أتون الصراع الاقليمي الهادف بأحسن أحواله إلى تحسين شروط التفاوض. هذا الصراع الدموي الذي يُسقِط ما يُسقِط من الضحايا الأبرياء حيناً ويتنازل أحياناً عن أوراق اعتقدها البعض ولم يزل، ثابتة وغير قابلة للبيع ولا للمقايضة”. هنا تكمن المشكلة بنظره.
وماذا عن المحكمة الدولية؟ يجيب الناطور بلغة العارِف: “إنها على الطريق السليم حيث ستبدأ المحاكمات مطلع العام الجاري وسنواكب عملها من زاوية اهتمامنا بتحقيق العدالة الهادفة أولاً وأخيراً لمنع تكرار الجريمة التي أودت بحياة خيرة من رجالات لبنان الاستقلاليين، كان أبرزهم الشهيد رفيق الحريري”.
خلال الدردشة “يقتحم” أحدهم مكتب المدير العام مودعاً، مخاطباً الرئيس الناطور بـ”دولة الرئيس”. يقاطِعه مُسرعاً ويؤكد أن صاحِب هذه الصورة (يقصد الشهيد رفيق الحريري)، رفع من مستوى رئاسة الحكومة لدرجة غير مسبوقة في تاريخ لبنان ولم تعد أمراً سهلاً يحصل عليه من يشاء، هنا تتواضع أمنية صديق الناطور ويستدرك، “طيب ما تزعل معالي الوزير”، يبتسم الناطور جازماً بأن “لا حكومة في المدى المنظور” ويضيف: “خدمة الناس لا تحتاج للألقاب والعمل في الشأن العام ممكن من دون مناصب”.
عمر محمود الناطور (68 عاماً) الذي يتقاعد وظيفياً اليوم، “يحمد الله أنه يخرج من الوزارة سالماً جسداً وعقلاً وانتماء”، لا يزال يسكن منزله المستأجَر في “الطريق الجديدة”. تدرَّج في كلّ الرتب القضائية المرموقة وما زال هوَ هوَ، لا يجد الانتماء المذهبي ولا الديني ولا السياسي مكاناً في قاموسه الوظيفيّ. “عدله أساس الملك” ومن لا يعرف ليسأل القاصي والداني. بهذه العبارة وبعينين دامعتين، يتحدث عنه أحد الموظفين في وزارة العدل مِن الذين واكبوا عمله وعايشوه أعواماً مضت.
هذا وأقام وزير العدل في حكومة تصريف الأعمال شكيب قرطباوي حفل كوكتيل لتكريم القاضي الناطور وتقليده درعاً، بحضور رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي جان فهد، مدعي العام التمييز بالوكالة القاضي سمير حمود، رئيس هيئة التفتيش القضائي القاضي أكرم بعاصيري، رئيس مجلس شورى الدولة القاضي شكري صادر، رئيسة هيئة التشريع والاستشارات القاضي ماري دنيز المعوشي، رئيس هيئة القضايا القاضي مروان كركبي، ومدير الدروس في معهد الدروس القضائية القاضي سهيل عبود، وحشد من الرؤساء الأول والموظفين.
وألقى قرطباوي كلمة قال فيها: “نلتقي اليوم لنودع صديقاً وبالنسبة الى كثيرين من بيننا رفيقاً عشنا معه وعاش معنا عشرات السنين. وإذا كانت اللحظة تثير فينا الذكريات والحنين الى ايام خلت، إلا أنها لا بد من أن تكون لحظة انطلاق سعادة المدير العام الى نمط جديد من الحياة، نتمناها له طويلة الأمد، قريباً من عائلته التي أحبها وأحبته”.
أضاف قرطباوي: “بعيداً من البروتوكول والرسميات، يمكنني أن أقول باسمكم جميعاً وباسمي الشخصي إننا عرفنا سعادة المدير العام على مدى سنوات طويلة. وإذا كنت قد عملت معه عن كثب منذ سنتين ونصف السنة تقريباً إلا أن ذلك لا يعني أنكم تعرفونه أقل مني. فهو بالنسبة للبعض من الحاضرين رفيق درب وزميل في القضاء، وبالنسبة إلى البعض الآخر مديراً عاماً بقي قريباً من الجميع ومحباً للجميع. فإلى جانب التواضع الذي أعتبره أم الفضائل، فقد تميزت بالانفتاح على الآخرين، والعمل على مساعدة كل من دق بابك. عملت 14عاماً تقريباً مديراً عاماً للوزارة، وأخالني أستطيع أن أقول باسم كل وزراء العدل الذين تعاقبوا، بأنك كنت عاملاً للاستقرار في هذه الوزارة، تتعاون مع كل وزير من أجل المصلحة العامة من دون التطلع إلى انتماء الوزير السياسي. وبالنتيجة كلنا للوطن”. وختم وزير العدل على الطريقة الأرثوذكسية: “الى سنين عديدة يا سيد”.