سيادة المطران الياس نصّار المحترم،…
عندما قرأت مقابلتكم مع جريدة الثبات، اعتقدت للوهلة الأولى ان كلامكم مُوجّه الى اولئك الذين يصادرون املاك الكنيسة المارونية في لاسا، بعدما انتزعوا منصب المدير العام للأمن العام من ايدي المسيحيين، وحاصروا الجامعة اليسوعية، واعلنوا نيّتهم بانتزاع منصب رئاسة الجمهورية من الموارنة، وبعدما اعلنوا في اكثر من مناسبة سعيهم الى المثالثة بدل المناصفة، وبعدما امعنوا في تعميم ثقافة السلاح وتدمير ركائز الدولة التي اسسها اجدادنا الموارنة الأوائل.
ولكن كما يقول المثل الشعبي “جحا مش قوي إلاّ على اهل بيتو”، هكذا تبيّن أن كلامكم لم يكن يطال اعداء المجتمع المسيحي الحقيقيين، وإنما الجهة التي دفعت غالياً ثمن دفاعها عن هذا المجتمع، فكانت وجهة كلامكم خاطئة، تماماً مثل توقيته.
ففي الوقت الذي يتعرّض المسيحيون الى هجمةٍ شرسة تهدف الى إضعافهم من خلال تعطيل انتخابات الرئاسة وإفراغ مؤسسات الدولة من المواقع “المسيحية”، وفي الوقت الذي يدعو الكاردينال الراعي الى الوحدة المسيحية ليل نهار، وفي الوقت الذي نحن احوج ما نكون فيه، كمسيحيين، الى توحيد الجهود ونبذ التفرقة في ظلّ التغييرات التي تمر بها المنطقة، إذ بالضربة تنهال على جهود الكاردينال الراعي من حيث لم تكن مُتوقّعة.
“الوحدة المسيحية” إن حكت، لقالت بكل تأكيد :”من بيت ابي ضُربت”!!!… “حتى انت يا بروتوس”!! وهذا ما سوف يقوله الكاردينال الراعي عندما يقرأ تلك المقابلة المشؤومة.
سيادة المطران نصّار…
إذا كان تاريخ الدكتور سمير جعجع “معروف لدى الجميع”، كما تدّعون، فنسأل عمّن ليس تاريخه معروفاً للجميع في لبنان اصلاً؟ واولّهم، بعض الأشخاص الذين يستغلّون سلطتهم الروحية او الزمنية من اجل إيهام الناس انهم فوق الشبهات، وفوق الفساد والمحسوبيات وفوق الاصطفافات السياسية!
سيادة المطران…
الفارق بين الدكتور جعجع وسواه، انه لم يتهرّب من المسؤولية عندما دق الخطر على ابواب لبنان والمسيحيين، فقاتل بشرفٍ وصالح بشرفٍ ايضاً. ثم عاد وتحمل المسؤولية ثانيةً، عندما انتصر المحور الأسدي وانهزم السياديون، فدخل المعتقل نيابةً عن كل السياديين.
الفارق بين الدكتور جعجع وسواه، هو انه فضّل الإعتقال على ان يتنازل قيد انملة عن مبادئ الخط السيادي للمسيحيين.
وإذا سلّمنا جدلاً بأن “تاريخ الدكتور جعجع معروف”، فهو على الأقّل قد اعُتقل لمدة 11 عاماً “كفّارةً” عن “خطاياه” و”خطايا” الخيار السيادي حينها. فلماذا لا تدعون الى محاكمة جميع الذين شاركوا في الحرب اللبنانية، اسوةً بالدكتور جعجع، واولّهم اولئك الذين تسببوا بتدمير مقومات الوجود المسيحي في حروبهم التحريرية – التنفيسية الإستعراضية، قبل ان يعودوا الى التحالف مع من دمّر هذه المقوّمات بالأساس؟
فهل “المسؤولية التي تشعرون بها سيادة المطران تجاه توحيد جهود المسيحيين”، بحسب ما قلتم لجريدة “الثبات”، تُحتّم عليكم تشويه المسيرة النضالية والسيادية لجزءٍ كبيرٍ من المسيحيين، من خلال تشويه مسيرة الدكتور جعجع؟ ام انها تفترض الترفع والمحبة والتوفيق بين المسيحيين.
ثم تتحدثون سيادة المطران عن “مشروع قانون الأرثوذكسي”، وكأنكم هابطون علينا من كوكبٍ آخر!
في البدء، نضع برسمكم ما اوردته جريدة “الأخبار” التابعة لأصدقائكم في “8 آذار”، بتاريخ 13 كانون الأول 2011، فتقول:
“تؤيّد الأحزاب الأربعة القانون الأرثوذكسي، رغم التفاوت في الموقف منه. الكتائبيّون و”القوات اللبنانيّة” يعتبرونه خياراً أول ويُريدون السير به. العونيّون والمردة يتبنّونه أيضاً، لكنهم يُدركون أن هناك صعوبة كبيرة في التوافق اللبناني عليه. يقولون إنه يُعتبر تغييراً في النظام السياسي”.
سيادة المطران الجليل…
إن الدكتور سمير جعجع، كان اول من طرح “الأرثوذكسي” خلال إجتماعات الأقطاب الموارنة في بكركي في كانون الأول 2011. ولكن عندما تبيّن للجميع، بما فيهم الصرح البطريركي بالذات، ان هذا الطرح غير قابلٍ للحياة، بفعل رفض الأطراف الإسلامية المطلق له، عاد البطريرك مار بشاره الراعي، وطلب من الأقطاب الموارنة البحث عن بدائل ميثاقية. ومن هنا جاء اقتراح قانون المختلط الذي يُوفّر للمسيحيين 54 نائباً كحدٍّ ادنى.
ومن جملة ما تم الإتفاق عليه في بكركي، الرفض التام لقانون الستين، مع العلم بأن ما شهدناه لاحقاً، من هرولةٍ نحو قانون الستين، يُثبت ان بعض المشاركين في اجتماعات بكركي، كان يضمر عكس ما يعلن، سواء امام البطريرك الراعي، او امام الرأي العام.
سيادة المطران الجليل…
لا نعرف بماذا كنتم مشغولين يوم 3 نيسان 2013 عندما اتفقّت لجنة بكركي على تعليق العمل بـ”اقتراح قانون الأرثوذكسي”، لحين إيجاد البديل. وهذا ما دفع “القوات اللبنانية” الى تكثيف مفاوضاتها مع الحلفاء من اجل الوصول الى قانونٍ إنتخابي منُصف وعادل، وذلك في محاولةٍ منها لقطع الطريق امام إحياء قانون الستين من جديد، وقد نجحت القوات بالتوصّل الى “إقتراح قانون المختلط” الذي يؤمن تمثيلاً عادلاً للجميع. امّا وأن تقولوا بأن “القوات” تخلّت عن الأرثوذكسي، وأنقلبت على وعودها، فهو الإفتراء بعينه، لأن الدكتور جعجع لم يتراجع عن اي شيء، فهو كان واضحاً منذ لحظة تعليق العمل بالأرثوذكسي في لجنة بكركي بقوله: “اولويتنا هي إيجاد قانونٍ يؤمن إجماعاً وطنياً”. وقد صدّق النائب السابق ايلي الفرزلي على هذه الواقعة.
سيادة المطران نصّار…
حمى الله قداسة البابا فرنسيس حتى يُنجز مهمّة تطهير الجسم الكنسي وينتزع من عينها خشبة بعض الفاسدين، والضالين والمنحرفين… آمين.
