حين خاطب وزير الخارجية السعودية الأمير سعود الفيصل قادة قمة سرت ٢٠١٠ بالحديث الصريح عن الفراغ الاستراتيجي العربي، كان يتحدث عن عالم ما قبل الربيع العربي، وأكاد أقول ما قبل زمن الفرد العربي الذي نزل إلى الميادين والساحات وانخرط ولا يزال في آليات التغيير بكافة أشكالها وصولا إلى الشكل الأكثر عنفا وهو الحروب الأهلية المتناسلة في سورية.
كان التغيير، ككل التغييرات الكبرى، مفاجئا وسريعاً وعميقاً. وككل تغيير ايضاً فتح عموم المنطقة العربية على مرحلة انتقالية ستتفاوت سياقاتها الزمنية قبل الاستتباب على هيئات مستقرة في السياسة والاجتماع ومؤسسات الحكم.
كلها عوامل تفاقم الإحساس بالفراغ الاستراتيجي، فكيف إذا أضيف اليها تفاهم إطار بين الولايات المتحدة الاميركية وإيران حول الملف النووي، مسبوقا بتفاهم مشابه بين واشنطن وموسكو حول الكيماوي السوري حمى نظام الأسد من السقوط بالضربة الأميركية القاضية.
تعامل صانع السياسة السعودية مع الأحداث هذه جميعا بوصفها ضربات متتالية تلقتها المنطقة. ورأى فيها تأسيسا لثوابت في السياسة والأمن والتموضع الاستراتيجي في المنطقة على حسابه.
أضف إلى أن السعودية تركت رأياً عاماً دولياً لفترة طويلة مشوشا حيال ما تريده. أذكر أن مسؤولا أميركياً قال لي مرة:
الرياض قلقة من القنابل في إيران وقلقة من القنابل على إيران. أي أنها لا تريد رؤية سلاح نووي في طهران ولا حربا عليها. وهي الآن تعبر عن قلقها من الحل الديبلوماسي. فماذا تريد!؟
كانت ذروة هذه المقاربة التعبير العلني غير المسبوق عن الإحباط من مجريات الأمور وان النوم سيجافي عيون المنطقة. هنا تكمن المشكلة.
القلق حالة صحية في بيئة الشرق الاوسط. الإحباط خيار قاتل.
في الايام القليلة الماضية التبس على المتلقي خارج المملكة في اي خانة يقع رد الفعل السعودي على الاتفاق الأميركي الايراني.
لا اقول ان هذا يأتي من فراغ. كان صعباً أن تكتشف الرياض حجم المفاوضات السرية الإيرانية الأميركية قبل المراسم العلنية في جنيف. وأصعب أن تكتشف اللعب الأميركي الايراني في فنائها الشرقي عبر قناة العمانية، وما أدراك ما يعنيه شرق المملكة!! كل شرقها بكل هوياته.
كان صعباً ان يوضع التحالف الأميركي السعودي أمام كل تحدياته دفعة واحدة وفي اللحظة الخطرة التي وصفها الفيصل.
كل هذا صحيح. لكن الصحيح أيضاً أن ما يحصل يحصل في بيئة متغيرة هي نفسها. من البساطة أن نتجاهل الطبيعية التغييرية للتفاهم الأميركي الإيراني داخل إيران إذا ما تحول إلى اتفاق ناجز. تركيا تتغير بدورها. سقوط مشروعها الإخواني في المنطقة يدفعها إلى خانة إعادة دراسة الخيارات. روسيا تسابق الزمن الفاصل بين قدرتها على تثبيت موقع في الشرق الاوسط وبين تنامي قوى التغيير فيها، وهي قوى تمتد من الشارع إلى قلب الكنيسة الأرثوذوكسية.
لا شيء ثابت. وهكذا ينبغي ان يكون القلق والإحباط السعوديين.
فلتجرؤ المملكة على إعادة صياغة دورها ورؤيتها للمنطقة في ضوء هذه المتغيرات جميعاً.
قمة دول مجلس التعاون الخليجي المقبلة نقطة انطلاق مهمة. كيف؟ أهل مكة أدرى بشعابها.