من يجل في أحياء طرابلس الداخلية يكتشف فوراً ان مصيرها متروك للقضاء والقدر وأن الفلتان سيد الموقف، وأن بعض الحواجز الأمنية المنتشرة في عدد من شوارعها تفتقد القدرة على فرض هيبة الدولة. كل ذلك على رغم ان فاعليات المدينة السياسية والاقتصادية ومرجعياتها الروحية وهيئات المجتمع المدني لم تقصر يوماً في توفير الغطاء السياسي للوحدات العسكرية من جيش وقوى أمن داخلي لإعادة الهدوء وإنهاء التوتر شبه اليومي بين باب التبانة وجبل محسن وما يتفرع منهما من «جزر أمنية» يتولى ادارة شؤونها قادة المحاور…
وتكاد فاعليات طرابلس من نيابية ووزارية تُجمع على سؤال واحد: «لماذا كتب لطرابلس ان تبقى متروكة ومهجورة لا وجود فاعلاً للدولة فيها ولا آثار للخطة الأمنية الموعودة بها مع انها ليست الأولى ولا الأخيرة وكان سبقها منذ 5 سنوات حتى اليوم أكثر من 11 خطة أمنية تم احباطها قبل ان ترى النور؟».
كما تسأل هذه الفاعليات: «هل من قرار سياسي يقضي بعدم وجود خطة أمنية في طرابلس؟ ومن يقف وراءه؟ وإلا لماذا لم تفلح الاجتماعات المتواصلة لمجلس الدفاع الأعلى ولمجالس الأمن المركزية والفرعية، اضافة الى اجتماعات التنسيق التي تعقد في طرابلس، في الإمساك بزمام الأمور في اتجاه اعادة الاعتبار لخطة أمنية بصورة استثنائية ولو لمرة واحدة؟».
وتضيف: «نسمع بوجود خطة أمنية لطرابلس عبر وسائل الإعلام، وتحديداً عندما تشتد وتيرة الاشتباكات بين باب التبانة وجبل محسن». وتقول: «نحن نثق بوزير الداخلية والبلديات مروان شربل ولا نحمّله مسؤولية تقاعس الدولة في استعادة طرابلس الى عرينها، لكن من حقنا ان نسأل عن مكامن الخلل التي تعيق تطبيق الخطة الأمنية التي وعدنا بها».
وتؤكد هذه الفاعليات ان أحداً لا يصدق ان طرابلس ممثلة بالحكومة بـ 4 وزراء، اضافة الى رئيسها نجيب ميقاتي، باتت عاجزة عن توفير الأمان لأهلها ولو بحدوده الدنيا، «ونحن هنا لا نشكك بنياتهم، لكننا نرفض التعامل معهم على قاعدة ان العين بصيرة واليد قصيرة».
وتلفت الى ان استقالة الحكومة، مع تعذر التفاهم على تشكيل حكومة بديلة، لا تبرر انكفاء من بيدهم القرار عن التجاوب مع طلب فرض الأمن بعد ان ثبت ان تطبيقه بالتراضي زاد من تفاقم المشكلة الأمنية، خصوصاً ان الدولة تحضر من خلال أجهزتها الأمنية في معظم الأمكنة التي تشهد حالاً من التوتر.
وتتابع الفاعليات الطرابلسية: «نحن لسنا ضد حضور الدولة في الأمكنة الأخرى التي تشهد توتراً من حين الى آخر، لأن من واجبها التدخل الفوري لضبط الوضع والتصدي لمن يحاول الإخلال بالأمن وتهديد الاستقرار، وكنا مع حضورها في بلدة علما في قضاء زغرتا لإزالة مخالفات البناء التي أقيمت على أملاك الغير… مع ان هناك في طرابلس من يستبيح الأملاك العامة والخاصة…».
وفـــي هذا السياق تسأل الفاعليات كيف ان الدولـــة تمكـــنت في ساعات عدة من تجهيز قوة أمنية وعسكرية أوكلت اليها مهمة الانتشار في الضاحية الجنوبية لتحل مكان الحواجز التي أقامها «حزب الله» وحركة «أمل» لمنع دخول السيارات المفخخة اليها بعد انفجار السيارة في حي الرويس.
دور الجيش
وتؤكد الفاعليات: «كنا أول من رحب بخطوة انتشار الجيش والقوى الأمنية الأخرى في الضاحية الجنوبية، ولكن ما نشكو منه هو ان الدولة ما زالت عاجزة عن توفير العدد الكافي من عناصر قوى الأمن الداخلي لنشرهم في أحياء وشوارع طرابلس لأننا مع عدم اقحام الجيش في حل النزاعات الداخلية ووقف التعديات ووضع حد للفلتان الذي أخذ يرتفع منسوبه في الأيام الأخيرة بشكل ملحوظ».
وتعتبر هذه الفاعليات ان دور الجيش يجب أن يقتصر على الحفاظ على الأمن العام في المدينة ومؤازرة قوى الأمن وهي تتعقب المطلوبين وتلاحق المخلّين بالأمن، اضافة الى انها ليست مع اغراق هذا الجيش في مهمة من اختصاص قوى الأمن.
كما انها لا تأخذ بالتبريرات التي تعزو التأخر في تطبيق الخطة الأمنية الى وجود نقص في عديد قوى الأمن ليصار حالياً الى تأمينه من خلال دعوة الاحتياطيين فيها الى الالتحاق مجدداً بالخدمة العسكرية على ان يصار الى اخضاعهم لدورات اعادة تأهيل لنشرهم لاحقاً في طرابلس، خصوصاً انها بدأت تتخوف من بعض الحوادث «المشبوهة» مع تكرارها في الاعتداء على شابين شيعيين أثناء وجودهما في طرابلس لنقل بضائع منها الى بيروت وكذلك في التعرض لعدد من الشبان المنتمين الى الطائفة العلوية.
وتؤكد هذه الفاعليات ان هذه الحوادث مفتعلة وهي غريبة عن عادات أهل طرابلس وتقاليدها وأن الاختلاف مع «حزب الله» أو الحزب العربي الديموقراطي على خلفية اتهام بعض عناصره بالضلوع في التفجيرين الإرهابيين اللذين استهدفا مسجدي «التقوى» و «السلام» لا يبرر أي عمل يراد منه الاقتصاص من أشخاص ينتمون الى هاتين الطائفتين.
وتكشف ان هوية مرتكبي هذه الحوادث «المشبوهة» باتت معروفة من جانب القاصي والداني في طرابلس وأن القوى الأمنية تعرفهم تماماً وليست في حاجة لمن يرشدها الى الأماكن التي يقيمون فيها.
لكن النتيجة كانت، كما أبلغت الفاعليات من القوى الأمنية، انها داهمت هذه الأمكنة لكنها لم تتمكن من اعتقالهم لهروبهم منها الى أمكنة أخرى ما زالت هذه القوى تعمل على تحديدها لإلقاء القبض عليهم.
وتسأل الفاعليات: «الى متى تبقى الخطة الأمنية الموعودة بها طرابلس معلقة في الهواء وعلى خط التوتر العالي المورد الينا من الحرب الدائرة في سورية؟ وما المصلحة من استنزاف المدينة؟ وهل هناك من يريد ان يدفعها ثمن موقفها من كل ما يجري في سورية؟ وإلا لماذا يتوافر عديد القوى الأمنية فوراً لوضع حد للإشكالات التي تحصل في مناطق أخرى ولا يتوافر لعاصمة الشمال؟».
تحرك
وتعد الفاعليات لتحرك ما، وسيكون لها الموقف المطلوب في ضوء النتائج التي سيسفر عنها تحركها، وتقول: «لدينا كل الثقة برئيس الجمهورية ميشال سليمان، لكن من حقنا ان نسأل عن الجهة التي تحاول ان تربط مصيرنا بانتخابات رئاسة الجمهورية»…
وتضيف انها لن تيأس من مطالبتها بالإسراع بإنقاذ طرابلس من الفلتان «المنظم»، «لأننا نخشى من ان يكون بمثابة «قنبلة موقوتة» يمكن تفجيرها في أي لحظة ولاعتبارات إقليمية وخارجية لا تمت بصلة الى واقع الحال في مدينتنا».
وتؤكد ان طرابلس بقواها الحية وبهيئات المجتمع المدني فيها ترفض أي محاولة يراد منها معاقبة أبناء الطائفة العلوية بذريعة ان المتهمين بتفجيري مسجدي «التقوى» و «السلام» هم من المنتمين اليها، لكن الكيل طفح وهناك من يقوم بتقطيع أوصال المدينة ويراهن على قدرته على منعها من أن تستعيد عافيتها وعلى أن تبقى أسيرة السلاح المشبوه والرسائل الملغومة بالمعنى السياسي للكلمة.
وتسأل هذه الفاعليات: «ما المطلوب لإعادة الهدوء الى طرابلس ولماذا يصمم البعض على ارباكها في محاولة لتقديمها على انها حاضنة للقوى المتشددة؟ ألم يحن الأوان لإنهاء «الحروب» التي تهددها وألا تبقى الخطة الأمنية حبراً على ورق؟ وإلا لماذا لم يصر الى وضع حد للفوضى ولو ان ما يدور فيها هو أشبه «بحرب العلمين»، لكانت هذه الحرب انتهت… كما انتهت حرب «داحس والغبراء؟».