تهبّ الإسقاطات. هذا يقارن “صمود” جبل محسن بمخيم تل الزعتر، وذاك بغيتو فرصوفيا الذي انفجر مقاومة يائسة بوجه آلة الإبادة النازية.
من لم ينبس ببنت شفة وقت تفجير مسجدي “التقوى” و”السلام” أخذ الآن يحدّثك عن “التطهير العرقي” الذي يتهدّد جبل محسن.
أكثر من ذلك، هناك من يسعى إلى إلباس مدينة طرابلس بأكثريتها السنية، “عباءة فاشستية أو نازية” ضدّ هذه الواحة المتعطّشة للتنوير والعقلانية والتقدّم، ضدّ هذا الحصن الأبلق للديموقراطية. ما دام حزب علي ورفعت عيد يتسمّى “عربياً ديموقراطياً” وجب أن يكون خصمه “نازياً”.
في الواقع ما يفعل الممانعون هو عين الدعاية “النازية”: فالنازيون هم من روّجوا تباعاً إلى أن اليهود والبولونيين والسوفيات في صدد التطهير العرقي للشعب الألماني إنْ هو لم يسارع للاقتصاص العرقي الاستباقي.
الاستخدام الإصطلاحي للمفردات له معايير. هناك فارق بين جرائم حرب، وتطهير عرقي، وجرائم ضد الانسانية، وجرائم إبادة جماعية. لكن ذلك كله يتحوّل إلى مجرّد نعوت في هذه البلاد. تساق ضد الخصم، وتبرأ منها الذات وحليفاتها. في هذا يتشارك الجميع بلا شك. انما كل شيء تحدّده النسب. والنسب متفاوتة في شكل كبير، وفي مسائل التنكيل والبطش كلّ شيء يتقرّر بموجب المعايير والنسب، وليس بسوق القول على عواهنه.
أما من كان لا يفوّت كبيرة وصغيرة للتشكيك في هذه المجزرة أو تلك من جملة جرائم نظام الأسد، ومن سكت عن قتل الناس بالكيماوي في الغوطتين، إنما يسارع إلى رمي طرابلس بالتهم الشنيعة. ومن يدلو بدلوه بهذا الشكل لا يقيم وزناً لأي بعد تاريخي معاصر للمسألة في طرابلس، وتحديداً للعلاقات غير السوية بين مكونات المدينة كما كانت قائمة في فترة الوصاية السورية المديدة، فضلاً عن اتصال قاعدة بشار الأسد بجبل محسن بالمنظومة الأمنية والعسكرية للنظام السوري و”حزب الله” في لبنان.
هذا لا يلغي أبداً وجوب الرفض، وبشكل حيوي، لكل ما من شأنه التحريض على العلويين كعلويين في لبنان، فهذه الطائفة الصغيرة لها ما للطوائف الأخرى تحت سقف الميثاق اللبناني، والتهميش الذي يعانيه أبناؤها اقتصادياً واجتماعياً هو واقعة لا مجال للمكابرة عليها، رغم أن فترة الوصاية السورية المديدة أطلقت يد ميليشيا متحدرة من نسيج هذه الطائفة، وبشكل أساء إلى ذاكرة المدينة وأهلها وعمّق الشقاق، إنما من دون أن يؤدي ذلك إلى أي تحسّن في الوضع الاجتماعي لأبناء جبل محسن بشكل جدّي، حتى ولو أن الطائفة كطائفة أعطي لها مقعدان في الندوة البرلمانية، وبشكل يجعلها حاصلة على تمثيل كامل “وحبّة مسك” في هذا الإطار.
ويقيناً، أنّه كلّما اتخذ الطرف المقابل لجبل محسن لوناً ايديولوجياً دينياً فان هذا يساهم بتعقيد الأمور بلا شك، وفي الابتعاد عن منظار حقوق الإنسان عند مقاربة مشكلات المدينة، وهذا طبعاً ينبغي رفع الصوت عالياً ضده ورفضه بشدّة، خصوصاً أن الشعارات المتوترة والمحتقنة، غير الخاضعة لضابطة منهجية، ولا لرؤية سياسية حقيقية، والمحاكية لمظلومية الأقليات، إنما من موقع ابتداع مظلومية النسيج الأكثري، إنما تعطي نقاطاً مجانية لقوى الممانعة.