
موسى، وفي حديث خصّ به برنامج “يا هلا” من إذاعة “لبنان الحرّ” أعرب عن انتقاده بأن لا أعتقد أن “مؤتمر جنيف 2 لن ينجح وكان يجب الذهاب الى مجلس الأمن لإيجاد حلّ للحرب في سوريا”، مضيفا: “أتمنى ألا يأتينا جنيف 2 بمخلوق غريب غير واضح المعالم لأن ما حصل في كوسوفو والبوسنة لا يمكن أن ينجح في سوريا”.
وأكد أنه “بعد كل ما حصل في سوريا سنشهد حكماً وضعاً جديداً وعلى سوريا أن تفهم أن العالم يتغيّر”، مشدّداً على أنه “أياً تكن الصورة السورية فستنعكس على لبنان”.
وحول المفاوضات النووية والاتفاقات التي تُعقد أبدى أسفه الشديد لأن
العرب ليسوا طرفاً في المفاوضات والاتفاقات التي تجري في المنطقة”، محذّرا إياهم للانتباه جيداً لئلا تفلت الأمور من أيديهم”.
وأكد أنه منذ التسعينيات من القرن الماضي عمل لعلاقة مصرية مع إيران “تنطلق من الدفاع عن الحقوق العربية”.
ولفت الى أن “المملكة العربية السعودية قامت بحركة إنقاذ تجاه مصر والعلاقة معها استراتيجية ودائمة”.
وعن توتر العلاقة بين القاهرة وأنقرة شدّد على أن “العلاقة بين تركيا ومصر يجب أن تكون بين دولتين ولا يمكن أن تكون من خلال “الإخوان المسلمين”.
وعن موضوع الدستور المصري والجدل حول مفهوم “الدولة المدنية” جزم أن “الدستور المصري الجديد يؤسس لنظام حكم مدني وقوانين مدنية وهذا هو الأهم وأعتقد أنه سينال تأييد أكثرية المصريين”.
وفي ما يأتي نص الحديث كاملا:
ـ دكتور عمرو موسى حضرتك رئيس لجنة تعديل الدستور المصري أو ما يُعرف بلجنة الخمسين. أين أصبحتم في دراسة التعديلات على الدستور؟ وما هي النقاط الخلافية العالقة؟
أنهينا دراسة مواد الدستور الاثنين 25 تشرين الثاني، أي قبل أسبوع من الموعد المحدد، ولكن تبقى ديباجة المقدمة وبعض التعديلات الطفيفة. ولذلك أتوقع أن ننتهي منها سريعاً جدا ليوضع أمام الرئيس عدلي منصور ما سيمنحه أكثر من شهر قبل إجراء الاستفتاء على الدستور والمتوقع في منتصف كانون الثاني المقبل. ثمة نقاط خلاف صغيرة نعمل على إنهائها مثل تمثيل العمل والفلاحين والنساء والأقباط. الدستور يفتح الباب أمامهم جميعاً، لكننا نناقش بعض الأمور التنظيمية الانتقالية، إضافة الى بعض التعابير المتعلقة بالدين والسياسة.
ـ هل لا يزال الخلاف قائما حول تعبير “الدولة المدنية”؟
ثمة خلاف صحيح. ستكون دولة مدنية ولا خلاف على ذلك. حين نقرأ الدستور سنجد أنه دستور دولة مدنية. لكن السؤال هو: هل ستكون الدولة مدنية أم أن الحكم سيكون مدنياً؟ الأهم هو أن يكون نظام الحكم مدنياً وديمقراطياً مع برلمان منتخب ورئيس، أي نظام شبه رئاسي، وسلطات الدولة الثلاثة منفصلة، مع الحفاظ على استقلالية القضاء وحقوق الانسان وحريات المواطن ومنع التمييز واحترام حقوق المرأة. كل ذلك موجود في الدستور، لذلك لا حاجة لتوصيف الدولة. إنما إذا كان الأمر مجرد شعار فهذا طبيعي وسنناقشه لأن الأمر لا يتعلق بالأوصاف بل بالمضمون وماهية جوهر الدستور.
ـ هل الإشكالية لا تزال قائمة أيضا حول عبارة “مستوحى من الشريعة الإسلامية” وهل سيكون الدستور المصري الجديد مستوحى من الشريعة؟
لا يوجد نص واضح يفسّر الشريعة. هناك المادة الشهيرة 219 التي لن تكون موجودة في الدستور. إنما ما سيكون هو أن مبادئ الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع.
ـ بماذا تعد الشعب المصري، وخصوصا أن في لبنان جالية مصرية كبيرة؟ أي دستور؟ ومتى الانطلاق نحو الانتخابات البرلمانية والرئاسية؟
الدستور سيكون دستوراً لدولة حديثة تتطلع الى المستقبل مع احترام التراث والهوية. ونحن لا نتاجر بشعارات، ولا يحتاج الدستور الى شعارات إنما الى تنظيم الحياة المصرية، وهذه الحياة ليست بعيدة عن الإسلام أو الأديان، ولكن يجب أن تحكم هذه الحياة قوانين مدنية وجنائية وغيرها تقوم على ما يتوافق عليه الشعب المصري. مصر مشهورة بقانونها المدني ولن يتغيّر هذا القانون ولا القانون الجنائي ولا غيره. نحن ننظر الى الأمام ونتوقع أن يحظى هذا الدستور بنسبة تأييد عالية بين المصريين.
ـ بالانتقال الى الوضع الإقليمي، ما هي أسباب التشنّج المصري- التركي والتوتر في العلاقات بين القاهرة وأنقرة؟ ما هي خلفياته وعوامله؟ وهل من حلول في الأفق؟
لا بدّ أن تكون هناك حلول. وسبب التوتر التركي- المصري هو أنه في الأشهر الأخيرة، وتحديداً في سنة الحكم “الإخواني”، لم تكن العلاقة بين تركيا ومصر، بل كانت العلاقة بين حزبين يؤمنان بالخط نفسه. وأنا تحدثت عن هذا الموضوع بصراحة مع الرئيس رجب الطيّب أردوغان أن العلاقة مع مصر لا تُحكم من خلال “الإخوان المسلمين”. يجب أن تكون العلاقة بين تركيا الدولة ومصر الدولة، تركيا الشعب ومصر الشعب، تركيا المصالح والتجارة والصناعة ومصر المصالح والتجارة والصناعة. أما العلاقة مع “الإخوان المسلمين” فقط ومن خلال “الإخوان المسلمين” فقط فكانت مقاربة خاطئة تماماً. هذا الكلام قلته في تركيا لأن العلاقة بين مصر وتركيا مسألة مهمة، وأنا من الذين يؤمنون بضرورة وجود علاقة وثيقة ومحترمة وعصرية بين الدولة والدولة والشعب والشعب والمجتمع والمجتمع بين مصر وتركيا، وذلك من دون وساطة حزب أو نظرية أو أحلام معينة.
ـ العلاقة بين مصر والمملكة العربية السعودية في أوجها. الى ما يعود ذلك اليوم تحديداً؟
العلاقة بين مصر والسعودية كانت دائماً علاقة استراتيجية لا تخلّي عنها لا من جانب مصر ولا من جانب السعودية. وهذه مسألة أساسية للاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وفي العالم العربي. وهذه العلاقة في أوجها اليوم لأن ثمة حركة سياسية ودبلوماسية واقتصادية وحركة إنقاذ قامت بها المملكة العربية السعودية. إنما هذه العلاقة كانت على الدوام مستمرة ومستقرة وعلى أعلى درجات التنسيق مع الاستثناء في سنة “الإخوان”، وكان استثناءً على الجميع بمن فيهم نحن.
ـ تحديداً في هذه السنة التي حكم فيها الرئيس محمد مرسي حصلت تطورات نوعية في العلاقة بين القاهرة وطهران وشهدنا لأول مرة منذ العام 1979 زيارة للرئيس المصري محمد مرسي الى إيران. ما هو مصير العلاقة مع طهران اليوم؟ وفي أي اتجاه ستسلك؟
منذ كنت وزيرا للخارجية في مصر في حقبة التسعينات، وأنا أعمل على بناء شبكة جسور بين مصر وإيران. وطلبت من رئيس الجمهورية في ذلك الوقت البدء بترتيب إعادة العلاقة بين مصر وإيران منذ التسعينات، وتحدثت بهذا الموضوع علناً. لكن كان هناك رفض وعدم رغبة بذلك. كان رأي الرئيس ربما أن نبدأ بدرجة أقل وتدريجيا وأنا كان رأيي أنه حين نبدأ الحوار معهم فسيكون بدأ عمليا ولا يهمّ المستوى. وكنت بدأت الحديث مع وزير الخارجية الإيراني حين تقابلنا في أندونيسيا، لأنه برأيي أن إيران دولة كبيرة ومهمة وليست دولة عابرة نستطيع أن نتجنّبها. إيران دولة كبيرة في المنطقة ومن الضروري أننا كعرب، وأيضا نحن في مصر، ونحن ندرس الوضع السياسي والاستراتيجي في المنطقة، أن نضع في اعتبارنا إيران ودورها. ولذلك السياسة التي ناديت وأنادي بها وعملت لها هي أن مصر باعتبارها دولة عربية كبيرة وذات مصالح إقليمية ودور إقليمي يجب أن تضع في اعتبارها أنه يجب أن تربطها علاقة مع إيران. إنما يجب أن يكون المنطلق المصري أننا دولة عربية نحافظ على المصالح العربية وننطلق من الدفاع عن هذه المصالح العربية، ونريد أن ندافع عنها سلمياً وسياسياً، وثانياً أنه لا يصحّ أن تكون هناك ترتيبات إقليمية أو ترتيبات أمنية إقليمية من وراء ظهر العرب. لا بد أن تكون الترتيبات الإقليمية الجديدة والتي تحصل اليوم ألا تكون على حساب العرب، وهذا أمر يتوقف علينا. ضروري أن يكون واضحاً للجميع أن أي ترتيبات إقليمية لا تأخذ في الاعتبار المصالح العربية أو لم يتم التشاور حولها مع الدول العربية لن يُكتب لها النجاح، ويجب أن يكون ذلك واضحاً.
ـ أين العرب اليوم من التفاهم الغربي- الإيراني وتوقيع الاتفاق الأولي الذي قد يليه اتفاق شامل بعد ستة أشهر وخصوصا أننا لاحظنا حذراً عربياً واضحاً حيال هذا الاتفاق؟
الحذر العربي من مغبة هذا الاتفاق طبيعي، إنما أين نحن؟ نحن لسنا طرفاً فيه مع الأسف الشديد.
ـ كيف تقرأ هذا الاتفاق وخصوصا أن البعض يرى فيه مسعى الى تحوّل إيران الى ما يشبه البوليس الإقليمي في ظل أدوار إقليمية واسعة لطهران التي تتدخل في عدد من الدول العربية من البحرين مرورا بمحاولات التدخل في المملكة العربية السعودية والعراق ولبنان عبر “حزب الله” وأيضا من خلال علاقاتها مع حركة “حماس”؟
هذا الواقع يقتضي تنسيقاً عربياً حتى لا تفلت الأمور من أيدينا.
ـ كنت أمينا عاما لجامعة الدول العربية. اليوم النظام السوري خارج الجامعة. هل ترى مستقبلا لنظام الرئيس بشار الأسد في الحكم في سوريا؟ ماذا عن أكثر من مئتي ألف ضحية سوريا وسط عجز عربي وغض نظر دولي؟ وماذا عن انعكاسات الأزمة السورية على لبنان من النازحين الى التوترات الأمنية؟ كيف تقرأ الصورة السورية وانعكاساتها على لبنان؟
أياً تكن الصورة السورية فسوف تنعكس على لبنان، وعلى لبنان أن يرتب أموره حتى لا يأتي انعكاس الوضع في سوريا على لبنان بأضرار سلبية كبيرة كما رأينا من قبل.
ومن الغريب أن نرى الجامعة العربية من دون سوريا، ولكن على سوريا أن تعي أن العالم يتغيّر ولا يتوقف في مكان واحد، أو أن تقف سوريا في مكان واحد وتجرّ العالم إليها. انتهى هذا الزمن ولا بدّ أن تغيّر سياستها.
وبعد كل الضحايا بعشرات الآلاف والنازحين بمئات الآلاف، والاضطراب والدمار الكبيرين في سوريا، لا يمكن استئناف الحياة وكأن شيئا لم يكن. سنشهد حكماً وضعاً جديداً. فلنرَ ماذا سيفعلون في مؤتمر جنيف2 رغم أنني لا أرى أن هذه المؤتمرات تؤدي الى نتيجة حقيقية، وأنا أعتبر أنه كان من الضروري بمكان الذهاب الى مجلس الأمن واتخاذ القرار المناسب هناك، ولكن يمكن المزاوجة بين الأمرين. ننتظر ماذا سيأتي به مؤتمر جنيف 2 ونتمنى ألا يأتي بمخلوق هجين غير مفهوم أين هو رأسه وكيف هي تركيبته، لأن العالم العربي والمنطقة التي تقع فيها سوريا لا تتحمّل مثل هذه الأشكال. يعني ما حصل في البوسنة وكوسوفو لا يمكن أن يمشي في سوريا بسبب مشاكل المنطقة المعقدة والمتداخلة من المشاكل السنية- الشيعية ومشاكل الأكراد والمشكلة الإسرائيلية والعلاقات مع تركيا ووضع إيران وحركة التغيير العربي… كل ذلك يمنع تقبّل مثل هذا الشكل الغريب الذي قد يفكّر فيه البعض.
ـ بماذا تتوجه الى لبنان واللبنانيين حيث تمّ التمديد لمجلس النواب لأول مرة منذ العام 1992، واللبنانيون يبدون عاجزين عن تأليف حكومة وثمة تخوّف كبير أيضا من الفراغ على صعيد رئاسة الجمهورية في شهر أيار المقبل. بماذا تتوجّه الى القيادات اللبنانية؟
بصفتي محب للبنان وأتابع التطورات فيه يومياً أرى أنه لا يجب أن يحصل أي اهتزاز في موقع رئاسة الجمهورية. لا بدّ من أن يتم فصل مقام الرئاسة عن كل المناكفات والألاعيب وغيرها. مقام الرئاسة مهم جداً وأساس للاستقرار. وأتمنى أن تشكل الانتخابات الرئاسية بداية أيضاً للاستقرار الوزاري والبرلماني. كل شيء له نهايته، وقد تطول الأزمة في لبنان قليلاً لكنها في النهاية ستنتهي بشكل نتمنى أن يكون فيه خير للبنان.
