لم يكن اجتماع نوّاب طرابلس في منزل ميقاتي، والاتّفاق على توحيد عمل الأجهزة الأمنية بقيادة الجيش، سوى تعبير عن انفلات الوضع الى مستويات قياسية من الخطورة. فهذه الجولة تُشبه الجولات السابقة، لكنّها تختلف لجهة تحوّل النزاع العسكري حرباً مفتوحة، نتيجة العجز عن ضبط الوضع، وهذا ما سيؤدّي إلى نتائج خطيرة، أبرزُها خروج المسلّحين عن أيّ سيطرة عملية، ما يعني استمرار عمليات الانتقام، وتحوّل جبل محسن “غيتو” حقيقيّاً ومحاصراً، تسيطر عليه جماعة رفعت عيد، وتعتبره طرابلس منطقة معادية، وهذا أخطر مظاهر النزاع، لأنه سيؤدّي إلى فرز مذهبيّ، وسيُعتبر بداية رسم خطوط جغرافية دائمة تذكّر ببداية الحرب الأهلية.
لقد أدّت تفجيرات طرابلس إلى هذه النتيجة، فانكشاف الفاعلين وعدم تسليمهم، وتغطيتهم من “الحزب العربي الديموقراطي”، حوّل النزاع أبعد من مجرّد جولات متعاقبة من القتال، إذ تحوّل نزاعاً مذهبيّاً بامتياز، بين أكثرية ترى أنّ من يتزعَّمون الأقلّية منتدبون لتنفيذ اعتداءات مبرمجة على المدينة، وأقلّية تدفع ثمن خيارات من ينفردون بامتلاك قرارها.
وأمام هذا الواقع الذي دفع ميقاتي إلى التهديد المبطّن باتّخاذ موقف، وأمام خطوة توحيد عمل الأجهزة الأمنية، هل بات يمكن إيجاد تصوّر لمعالجة جذرية لجولات طرابلس، وهل إنّ القيّمين على وضعها، اقتنعوا أخيراً بأنّ استمرار التلاعب بأمن المدينة والتخاذل عن اتّخاذ أيّ إجراء لمنع تكرار الاشتباكات، أصبح بمثابة بداية الانفجار الكبير الذي لا تنفع في مداواته المسكّنات؟
ليس خافياً أنّ قيادات طرابلس تُحمِّل مسؤولية عدم ضبط الوضع الأمني إلى بعض المسؤولين الأمنيّين الذين لا يتصرّفون على الأرض بمنطق ردع الاشتباكات بل إدارتها. وليس سرّاً أنّ تحميل المسؤولية يصل إلى ميقاتي والوزراء الطرابلسيّين الذين لم يقوموا منذ تكرار جولات القتال إلّا بالاستنكار. كلّ ذلك بات يستدعي من نوّاب المدينة وقياداتها ما هو أكثر من البيانات والإدانة. البعض يطرح تسمية الأشياء بمسمّياتها الحقيقية، وتحديد المسؤولين والمسؤوليات، وهذا يمكن أن يقود إلى موقف جماعيّ من قيادات المدينة ونوّابها، يسمّي المسؤولين عن التقاعس، ويحدّد دورهم في رعاية بعض المسلّحين، ويرسم خريطة طريق لما يجب أن تقوم به القوى الأمنية.
وفي انتظار خطوات الأجهزة الأمنية والعسكرية من مداهمات وتوقيفات، لمعرفة المدى الذي ستذهب إليه، والجذرية التي ستتبع، فإنّ الانطباع الأوّلي لما يحصل، لا يوحي بتطبيق خطة أمنية حقيقية تعالج أسباب اندلاع القتال.
تبدأ معالجة الأسباب بعدم التفاوض مع الجهات المسلّحة من الطرفين، بل بدخول كلّ الأحياء في التوازي ونزع السلاح، واعتقال كلّ من يحمل السلاح ويطلق النار، وتبدأ كذلك من توقيف من شاركوا في تفجير مسجدي السلام والتقوى، أيّاً كان من يحميهم، فهذا الملفّ أصبح أكثر أهمّية من وقف القتال، لأنّه حوّل القتال نزاعاً مذهبيّاً سافراً. أمّا إذا لم يُطبّق أيّ من هذه الإجراءات، فإنّ الجولة الـ19 آتية، والنزاع المذهبي مرشّح ليصبح بداية لفرزٍ هو الأخطر.