في طرابلس مثلا، يخاف “حزب الله” من أن تتعرض مصالحه للخطر، ومصالحه هنا تعني مصلحة حلفائه في جبل محسن الذين يتّخذون من رأس النظام السوري بشار الأسد مثالا لهم، وهو الذي أشارت إليه الأمم المتحدة بتورّطه في جرائم ضدّ الإنسانية. فالحزب إذاً يفوّض عنه الحزب “العربي الديموقراطي” حيث لا موطئ قدم له بالمعنى المناطقي كما في بيروت وضاحيتها، ويكون هنا دور الحزب أن ينادي في الإعلام بتفويض الجيش وبالتالي رفع الغطاء السياسي عنه.
وفي مقارنة بين صورة العاصمة بيروت في 7 أيار 2008، وصيدا في أواخر حزيران الماضي وطرابلس اليوم، تثبت الوقائع أن “حزب الله” يتحرّك حيث يتواجد منفردا أو حيث يغيب أي من حلفائه، فإما أن يكون المتسبب بالمعارك كما في صيدا وبيروت، وإما أن يكون على حياد، ظاهريا، وأن يدّعي دعم الجيش انتقاما ممّن يعتبرهم “تكفيريين” والذين يشكّلون خطرا على مناطق نفوذه.
وقد زاد التفجير المزدوج الذي استهدف السفارة الإيرانية من حدّة دعم “حزب الله” لحلفاء بشار الأسد في طرابلس في مواجهة أبناء المدينة. هذا ما يعبّر عنه عضو كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب نواف الموسوي حين يدعو الى “تفويض الجيش مواجهة المسلّحين في طرابلس من دون قيود”. والحقيقة أنه لا يمكن للحزب أن يدعو الجيش الى التصدي من دون قيود للمسلّحين في طرابلس والتمييز بين مسلّح “بسمنة” ومسلّح “بزيت”.
ففي مسيرة “حزب الله” في السنوات الأخيرة، إن مواجهة السلاح لأبناء المناطق هي حلّ لا بدّ منه، كما في بيروت كذلك في صيدا وفي الداخل السوري. ويبرر الموسوي دعوته بدغدغة مشاعر الممانعين لما يسمّيه “خطر الإرهاب التكفيري” الذي ربّما باتت كل المناطق في لبنان متّهمة به، ومحذّرا من أن يكون الهدف “افتعال نزاع شيعي- مسيحي”. وتكمن أبعاد هذا الكلام في مستويين: تخويف اللبنانيين والعالم من المناطق السنية وزرع الشقاق بين مكوّنات الوطن والطائفة السنية، وتجييش اللبنانيين “لاستئصال هذا الإرهاب التكفيري”، من دون الأخذ في الإعتبار أنه لو تم “استئصال” المشكلة الأساسية في طرابلس المتمثّلة في تسليم المطلوبين في جبل محسن لما بلغت طرابلس هذه الحال من الخطورة.
ويزيد تمسّك “حزب الله” بحلفاء بشار الأسد في لبنان من توسيع الهوة بينه وبين اللبنانيين، فالموسوي مثلا لا يدعو الجيش اللبناني الى تنفيذ ما أثبتته التحقيقات بشأن تهريب المجرمين والقبض على المتورّطين، لأن كلامه لا يعدو كونه رسائل تحريضية على أبناء طرابلس، تماما كما كان وجود عناصر “سرايا المقاومة” التابعة لـ “حزب الله” في صيدا تحريضياً بذاته ، خصوصاً في تقدّمه الى مناطق عبرا الداخلية لمواكبة إعلاميي الممانعة و”تنظيف” المكان حتى قبل دخول القوى الشرعية. فهل الجيش “مغطّى” في صيدا ومرفوع عنه الغطاء في طرابلس؟
ولا يقف الموسوي عند “تفويض الجيش” إنما يذهب بعيدا الى إمكان التأثير على “الإرادة السياسية” التي لطالما كانت تحت إمرة “حزب الله” الذي يقرّر عندما يشاء متى يعلن الحرب وأي منطقة يقرر اجتياحها، تماما كما قرر من تلقاء نفسه الذهاب الى سوريا والدفاع عن بشار الأسد “من دون شورى ولا دستور”، وإن كان يقف الى جانب بشار في سوريا فهو حتما لن يقف ضدّ حلفائه في لبنان، ولا يجدها خيانة أن يكون في صفّ من يواجهون اللبنانيين من أبناء طرابلس.
في لبنان وسوريا، الحجة هي نفسها. فالحزب حوّل سلاحه عن إسرائيل الى قتل الشعب السوري، وهو يضع شباب لبنان في خدمة بشار الكيماوي لمواجهة الديموقراطية والحرية. وإن كان لا بدّ من تفويض الجيش في مهمة وطنية، كالتي قادها رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان حين كان قائدا للجيش في “نهر البارد”، فإن الدولة اللبنانية وعلى رأسها قائد القوات المسلّحة وحده من يفوّض الجيش في مهمات مواجهة الإرهاب وتهريب المجرمين. إلا أن الأهم يبقى أن يمتثل المتّهمون لمثل هذه القرارات وأن لا يعتبرونها افتعالاً لنزاعات طائفية.