يبدو أن أحداث طرابلس الدامية، لم تعد مرتبطة بعدد جولات العنف وضراوتها والضحايا التي تخلّفها والدمار اللاحق بحجرها وبشرها، إنما تحوّلت الى حمّام دمٍ متدفق، لا شيء يوحي بوقفه في المدى المنظور، فدماء الأبرياء في طرابلس المنكوبة مستمرة في التدفق طالما أن القابضين على زناد التفجير مرتبطون بقرارسيدهم الكيماوي، العاجز حتى الآن عن المحافظة على ما يهيمن عليه مما تبقى من أرض سورية غير محررة، أو إستعادة الجزء اليسير من المواقع والمناطق الإستراتيجية التي فقدها أولاً، ولإخفاقه حتى الآن في فتح كوّة ولو صغيرة في جدار عزلته العربية والدولية، رغم الإتفاقات الكبرى التي أفضت الى تجريده من السلاح الكيميائي، وإنهاء الملف النووي لحليفه الإيراني.
لا شكّ في أن الجولة الدموية التي تعيشها طرابلس اليوم تختلف عن سابقاتها، ليس بعدد الضحايا والدمار، بل بإنتقاء الضحايا ليكون أغلبهم من الأطفال والنساء، وتوسيع رقعة القصف والنار الى مناطق بعيدة عن نقاط المواجهة، وإدخال أسلحة جديدة ومسلّحين جدد على المعركة، وهذا ما أمكن قراءته على الأرض من خلال ما يحكى عن بنادق القنص العالية الدقة في إصابة الأهداف التي إستخدمت للمرة الأولى، ومعها قناصون محترفون بغض النظر عن المكان الذي أتوا منه، والتدهور السريع للوضع الأمني بما ينذر بأن الأزمة مرشحة الى مزيد من التدهور، ما يبقي طرابلس وأهلها رهينة المتعطشين الى دماء الأبرياء. بمعزل عن المعالجات السطحية التي تلجأ اليها الدولة أو بالأحرى ما تبقى من هيبة دولة.
اللافت في الأمر أن قائد ميليشيا “الحزب العربي الديمقراطي” رفعت عيد، حاول التذاكي والتنصل من فتح المعركة على كل المحاور، وهي معركة كانت محضرة مسبقاً، ونسب العملية الدموية لمن أسماهم “أولياء الدم”، أي الذين أصيبوا بعمليات إطلاق النار على أقدامهم من عمال وشبان من جبل محسن، في حوادث فردية ومتفرقة، لكنها جرائم مقصودة طبعاً وتستدعي توقيف المعتدين والإقتصاص منهم، ليوضع هؤلاء بمواجهة “أولياء الدم” الحقيقيين، أي أهالي شهداء وضحايا التفجيرَين الإرهابيَّين اللذين استهدفا مسجدَي “السلام” و”التقوى”.
إذا كان الألم والقهر يعتصران قلوب “أولياء الدم” المفجوعين بمجزرتين قل نظيرهما، لأن الدولة لم توقف قتلة أهلهم وأبنائهم المعروفين بالأسماء والعناوين ويتحصن بعضهم في جبل محسن، والبعض الآخر هُرّب الى سوريا للإفلات من العقاب، ورغم أن هؤلاء لم يطلبوا معاقبة جبل محسن وسكانه قاطبة، إنما اقتصر مطلبهم على توقيف القتلة وتسليمهم الى القضاء ومحاكمتهم، أصدرت محكمة رفعت عيد حكمها المبرم بتجريم طرابلس كلّها، وتحميلها مسؤولية الحوادث الفردية ومطلقي النار على أرجل بعض الأشخاص، وقررت معاقبة المدينة بكل ناسها وأهلها، واختارت الثأر على الطريقة الإجرامية الموروثة من مدارس البعث البائدة، وراحت تزرع الموت في كل حي وزاوية وشارع. لقد جاء قصاص هؤلاء المجرمين، لينال من أطفال ذنبهم أنهم يجمعون فتات الخردة في التبانة لبيعها وسد جوعهم، وكأنها الحرب الإستباقية التي قطعت الطريق على هؤلاء الأطفال قبل أن يحولوا خردتهم الى أسلحة فتاكة، تماماً كما هي حرب سيدهم بشار الأسد الإستباقية التي فتكت أسلحتها الكيميائية بأطفال الغوطة، ومجازره التي امتدت على مساحة أرض سوريا من أقصاها الى أقصاها.
لا شكّ في أن الوضع آخذ في المزيد من التدهور، في غياب قرار حاسم من الدولة بإنهاء هذا الجرح المفتوح، ولا شكّ أيضاً في أن مشكلة بهذا الحجم لا تعالج بالمسكنات، وبخطة أمنية أشبه بحرب النظارات، وإذا كان القرار الذي إتخذ من القصر الجمهوري مساء أمس، بإتخاذ إجراءات أمنية حاسمة لم يخرج عن القرارات السابقة التي أبقت النار تحت الرماد، فإن هذا القرار لم يطمئن طرابلس وناسها المحاصرين بالخوف والرعب، لا بل إن غموض القرار المتخذ سيزيد من التعقيدات الأمنية، ويبقي الإنفلات الأمني قائماً، خصوصاً أن القرار الرسمي لم يفض الى تفويض الجيش بسحب الأسلحة من كل المخازن والمحاور ومن طرفي النزاع، وهذا يعني أن المدينة تدخل ساعات وأياماً من الإنتظار القاتل المسكون بالقلق من تهور متوقع بين لحظة وأخرى، فيما الإستقرار المنشود يظلّ حلماً يراود الناس الذين لا حول لهم لا في القرارات الرسمية ولا في الجبهات التي تشتعل وفق ضرورات الوضع الإقليمي، بحسب صعوبة الحرب التي يخوضها النظام السوري و”حزب الله” سواء في القلمون أو ريف دمشق أو في حلب وريفها.
إن وضعاً على هذا القدر من المأسوية يحتاج الى قرار سياسي يترجم بإجراءات حاسمة على الأرض، وتفويض شامل ونهائي يمكن الجيش من ولوج كل التحصينات ومصادرة كل أنواع الأسلحة وتوقيف كل من شارك في قتل الأبرياء بدءاً من مفجري المسجدين وعلى رأسهم علي عيد وولده، مروراً بمن أطلق النار على أبناء جبل محسن وتعمّد إصابتهم في أرجلهم، وصولاً الى كشف هوية القناصين الذين زرعوا الموت في طرابلس وحولوا أطفالها وأبرياءها الى جثث كرمى لعيون أسيادهم. وما عدا ذلك ليس على الطرابلسيين الا أن يعدّوا جولات العنف، ويشيّعوا المزيد من شهدائهم الذين اختار تجار الدم زهق أرواحهم في مقامرة لعبتهم الإقليمية.