هل يُقدم الرئيس السوري بشار الأسد على «مغامرة» جديدة غير محسوبة النتائج، مثلما فعل عندما قرر استخدام السلاح الكيماوي في آب الماضي في منطقة غوطة دمشق؟
سؤال تطرحه بقوة بعض الدوائر العسكرية والسياسية الأميركية، ويقضّ مضاجع المراقبين في هذه المرحلة، تخوفاً من محاولة الأسد “قلب الطاولة” مجدّداً، في ظلّ المعطيات السياسية التي بدأت تتجمّع في اتّجاهات لن تكون في مصلحته هذه الأيام ربّما.
وتكشف بعض الأوساط العسكرية الأميركية عن معلومات، نقلاً عن أوساط ميدانية محسوبة على المحور الداعم للنظام السوري، وتحديداً عن مصادر قريبة من “حزب الله”، تفيد أنّ حجم الخسائر التي مُني بها الحزب خلال معارك غوطة دمشق فاق كل توقّعاته، وبدأت تثير اعتراضات وتساؤلات عدّة في أوساطه الشعبية. هناك من يقول إنّ عدد القتلى يتراوح ما بين 40 الى 50 قتيلاً، عدا عن عدد الجرحى، يعجز الحزب عن دفنهم دفعةً واحدة، خوفاً من ردّات الفعل غير المحسوبة.
وفي تقدير تلك الأوساط أنّ الوضع متّجه نحو مزيد من التعقيد، خصوصاً أنّ الآفاق التي افتتحها الإتفاق النووي مع إيران، باتت تطرح أسئلة جديدة لدى القيادة الإيرانية مجتمعة، عن جدوى الإنخراط الكثيف في الحرب الدائرة في سوريا ومستقبله، ما دام الحديث هو عن موسم اتفاقات متعدّدة الجوانب.
فسلوك إيران المستجدّ، وحملة العلاقات العامة التي بادرت اليها، سواء مع تركيا أو مع دول الخليج، واللغة الهادئة تجاه السعودية خصوصاً، توحي بأنها عازمة على تغيير كثير من سلوكياتها السياسية في المنطقة، وتحديداً تجاه سوريا ولبنان معاً. ويقول البعض إنّ تشديد ايران على أنّ لا حلّ في سوريا غير الحل السياسي، يشير الى أنّ انغماسها الكثيف في الحرب الدائرة هناك، قد تطرأ عليه تعديلات جوهرية.
وتدقّق أوساط أميركية في صحّة المعلومات التي تتحدّث عن “تقليص” “حزب الله” عملياته الحربية، خصوصاً في منطقة القلمون، واستتباعاً كلّ التشكيلات العسكرية الأخرى المحسوبة على ايران بما فيها “فيلق القدس”.
فإذا كانت ترغب طهران بفتح صفحة جديدة في علاقتها مع المنطقة، فمن الطبيعي أن تعمل على محاولة تبريد الجبهات الناشطة فيها. وهذا ما لوحظ في اليمن والبحرين واخيراً في لبنان.
ويرى البعض في امتناع الحزب حتى الآن عن التعليق على خطاب رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان في عيد الإستقلال، رسالة إيرانية تتوخّى من خلالها خفض مستوى التوتر مع المكوّنات اللبنانية الأخرى، ومن ورائها المملكة العربية السعودية، عبر الطلب من الحزب عدم الردّ او التعليق او التعقيب على الإتهامات التي وُجّهت الى السعوديين في هذه المرحلة، خصوصاً بعد التفجيرَين امام السفارة الإيرانية في بيروت.
وعليه، هناك من يقرأ الحرب الدائرة في مدينة طرابلس على انها “رسالة” سورية، تحاول دمشق من خلالها توسيع دائرة النار لتشمل ما أمكن من مناطق ومواقع تعيد خلط الأوراق الداخلية، في محاولة منها لاستعادة حيثية سياسية في لبنان.
لا بل هناك من يقول إنّ شعور الأسد بأنّ “شيئاً ما” يُعدّ ضدّه تحت الطاولة، قد يكون السبب في إشعال لبنان عبر مشكلات أمنية وسياسية خطيرة جداً. هذا ما يثير القلق أيضاً من احتمال أن يُقدم على مغامرة شبيهة بمغامرة “الكيماوي”، لكي يقول إنّ أيّ حلّ لا يمكن أن يمر من دون موافقته. وهذا ما يُفسّر اندلاع المعارك على نحو مفاجئ في البلدات المسيحية في سوريا، ورسائل دمشق الى الأمم المتّحدة تحذيراً من خطر الجماعات الإرهابية، فيما يتوجّس البعض من شيء أعظم قد يُقدم الأسد عليه.
ويتوقف المراقبون عند دلالات زيارة رئيس الوزراء السوري وائل الحلقي الطويلة لطهران على رأس وفد كبير، وخوضه نقاشاً معمقاً مع المسؤولين الإيرانيين، حول عدد من القضايا السياسية والإقتصادية، خصوصاً حول الآفاق المقبلة بعد الإتفاق النووي مع القوى الكبرى، وانعكاساته المتوقعة على سوريا. ويعتقد هؤلاء أنّ الوفد السوري عبّر للجانب الايراني عن المخاوف التي تساور الأسد والهواجس التي تسكنه من احتمالات يرى انها قد لا تصبّ في مصلحته في الفترة المقبلة، مع تواتر الكلام عن استعداد طهران لإجراء مقايضات سياسية، قبل البدء في تنفيذ الخطوات العملية من الإتفاق.
وتؤكّد مصادر أميركية مطّلعة أنّ فترة اختبار النيات الإيرانية والغربية المتبادلة، ستشهد نقاشات كثيفة، خصوصاً في الجوانب السياسية المرتبطة بموقع طهران الإقليمي. وتلاحظ أنّ المزاج الإيراني العام بدأ يميل الى تطبيع جدّي مع الغرب وإعادة تنسيب إيران الى المجتمع الدولي. وتعتبر انّ الإستقبالات الشعبية في شوارعها احتفالاً بعودة الوفد المفاوض من جنيف ليس أمراً تفصيلياً.
وتقول تلك المصادر إنّ قرار واشنطن إرسال سفينة متخصّصة لإتلاف السلاح “الكيماوي” السوري، وسحب هذا الموضوع من “بازار” المزايدات والتلاعب، هو رسالة واضحة عن المسار الذي ترغب الإدارة الأميركية بفرضه، قبل مؤتمر “جنيف ـ 2″، وقبل المدّة التي حُدّدت لإغلاق الملف “الكيماوي” في الربيع المقبل، وانتهاء فترة الأشهر الستة لبدء مفاوضات الإتفاق النهائي مع طهران، وموعد الإنتخابات الرئاسية السورية أيضاً