لماذا الرئيس نبيه بري في طهران؟ هل هي زيارة رسمية عادية أم أنها زيارة خاصة تحت غطاء رسمي؟ بين نبيه بري وطهران حكاية طويلة ليست حلوة في الإجمال. فيها من الأوجاع والذكريات المؤلمة والدم والتوتر أكثر مما فيها من الحب والوئام والتنسيق والتبعية. الرجل يحمل في باله وعقله جزءا كبيرا من تاريخ لبنان وتاريخ التجربة الشيعية فيه منذ العام 1978 تاريخ تسلمه قيادة «حركة أمل» بعد اختفاء الإمام موسى الصدر في ليبيا ومع انتصار الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الخميني. تلك الثورة نمت بذورها الأولى في لبنان وفي قلب «حركة أمل» ولكن الأيام كانت كفيلة بأن تكون الحركة ضحية الثورة. بعد زيارات كثيرة إلى طهران تأتي زيارة نبيه بري اليوم في مرحلة مصيرية من تاريخ الشيعة في لبنان فما عساه يقول للقيادة الإيرانية؟
يذهب بري إلى طهران بعد اتفاق جنيف بين إيران والدول الست حول البرنامج النووي الإيراني الذي خضعت فيه طهران للشروط الدولية. ويذهب قبل انعقاد مؤتمر جنيف 2 الخاص بمعالجة الأزمة السورية ومحاولة إيجاد حل لها. في ذاكرة نبيه بري تجربة مؤتمر جنيف لبنان في العام 1983. في ذلك الوقت كان هذا المؤتمر محاولة لإيجاد حل للحرب اللبنانية بعد الإجتياح الإسرائيلي في العام 1982 وبعد حرب الجبل. لم تكن إيران على الطاولة بل كانت سوريا وعبد الحليم خدام وكانت المملكة العربية السعودية والوزير سعود الفيصل والرئيس رفيق الحريري وكان لا يزال في بداية اختمار دوره السياسي ممثلا أو موفدا للملك فهد يلعب دور الوسيط بين الحكم في لبنان وبين النظام في سوريا.
لم تكن هناك حرب سنية شيعية في تلك المرحلة. فشل مؤتمر جنيف ومن بعده فشل مؤتمر لوزان ولم تنته الحرب في لبنان إلا في العام 1990 بعد اتفاق الطائف. نبيه بري لديه كل الإمكانات ليبدأ مع القيادة الإيرانية من هذه النقطة بالذات. الصورة مختلفة اليوم.
بعد وصوله إلى طهران أعلن الرئيس بري أن الإتفاق بين إيران والدول الست صفقة العصر. تعبير الصفقة يحتمل الكثير من التفسيرات لكن لا شك في أن الرئيس بري كان يعني الناحية الإيجابية منها وليس الصفقة بمعنى البيع والشراء بمفهومها السيئ مضيفا لاحقا بأن هذا الإتفاق قنبلة نووية سياسية.
قبل أن يدخل إلى الخلوة مع مرشد الثورة الإسلامية في إيران السيد علي خامنئي كان مع الوفد النيابي الذي يرافقه يلتقي الرئيس الإيراني حسن روحاني والمسؤولين الإيرانيين وينقل إليهم بعض هواجسه. قال لهم: «إننا في لبنان عملنا أكثر من 500 اتفاق لوقف النار»، ودخل في صلب المسألة الخطيرة المستجدة التي اختصرها بالفتنة السنية الشيعية. قال: «هناك مؤامرة من داخل البيت الواحد. الذي أقدم على تفجير السفارة الإيرانية والدته شيعية والذي أعلن التفجير أمه شيعية والذي درّسه أمه شيعية. إنني أستفيد من هذا اللقاء لأدق ناقوس الخطر لأن محاولة شرذمة الإسلام على قدم وساق. العراق يريدون له التقسيم. سوريا مهددة بالأخطار وكذلك لبنان معرض للأخطار».
كان نبيه بري يختصر المأساة. الأخبار التي ترافقت مع زيارته كثيرة.
في لبنان دخول كبير في الفتنة السنية الشيعية في شكل غير مسبوق. من الصواريخ على الضاحية إلى تفجير سيارتين في بئر العبد والرويس إلى تفجير السفارة الإيرانية في عمليتي تفجير انتحاريتين. وفي طرابلس وغيرها عمليات تصفية وقتل وتعديات على أساس مذهبي تترافق مع استمرار تشييع مقاتلي «حزب الله» والحركات الأصولية الذين يسقطون على أرض المعركة في سوريا.
في سوريا تستمر المعارك على الأرض. لم يعد تدخل «حزب الله» والمجموعات الشيعية الأخرى سرا. من مقام السيدة زينب في دمشق إلى القصير والغوطة والقلمون. بعد الحديث عن تقدم الجيش السوري و«حزب الله» في محاولة لفك الطوق عن دمشق والقضاء على المجموعات المعارضة التي تسيطر على القلمون انقلبت المعادلة. المعارضون استعادوا المبادرة وانتقلوا إلى الهجوم في محاولة لفك الحصار عن الغوطة. والمعارضة تتحدث عن أعداد كبيرة من قتلى «حزب الله».
في العراق تبدو الصورة أبشع وأوضح. خلال وجود بري في طهران سقط عشرات القتلى في تصاعد مخيف للعنف المذهبي. عملية انتحارية استهدفت مجلس عزاء شيعي قرب بغداد أدت إلى مقتل تسعة أشخاص وجرح 23 آخرين. 14 جثة قتل أصحابها بالرصاص عثر عليها في منطقة الشعلة وعرب جبور ذات الغالبية السنية. مسلحون اغتالوا خمسة أشخاص بأسلحة مزودة بكواتم للصوت داخل منزلهم في منطقة الحرية ذات الغالبية الشيعية. ست جثث عثر عليها في نهر صغير على أطراف منطقة الشعلة ذات الغالبية الشيعية. ثلاثة من عناصر البشمركة قتلوا في هجوم بسيارة مفخخة…
يعرف نبيه بري كل ذلك. ويدرك مخاطره. يعرف كم يستطيع الشيعة في لبنان أن يتحملوا ويدرك أن عبء القتال في سوريا أكبر منهم وأن ما يحصل هو دخول في الفتنة السنية الشيعية وأنه بداية حرب استنزاف طويلة. يعرف أيضا أن الشيعة في لبنان تحملوا الكثير منذ بداية الحرب. ويعرف أيضا أن «حركة أمل» لا تقاتل في سوريا. فمنذ اتفاق دمشق الذي أنهى الصراع بينها وبين «حزب الله» في العام 1988 انتقلت البندقية الشيعية إلى «حزب الله» والوصاية الإيرانية. يعرف نبيه بري ذلك ولكن هل قاله للمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية السيد علي خامنئي في الخلوة التي طلبها ويبدو أنه لم يذهب إلى إيران إلا من أجلها؟ ففي باله الكثير ليقوله بينه وبين المرشد.
من دون شك يعرف نبيه بري أنه يذهب إلى إيران مزنَّرا بالشك. قبل عامين تقريبا حاصرته التقارير المسرَّبة عن وثائق ويكيليكس خلال حرب تموز. بعضها يصل إلى حد اتهامه بالخيانة كما فريق 14 آذار. لم يتم تناوله بالإسم شخصيا ولكن الوثائق كانت تتعلق بمساعديه المقربين مستشارين ووزراء ونواب اتهموا بأنهم كانوا ينسقون مع الأميركيين من أجل القضاء على «حزب الله» بسبب خوضه حربا مدمّرة.
من دون شك أيضا يعرف نبيه بري أنه من خلال تجربته يمكنه أن يتجاوز الحصار. ربما على أساس أن الشيعة اليوم في لبنان يحتاجون إلى حكيم الطائفة وليس إلى قائدها المغامر. لأنه يعرف ذلك يمكنه أن يدخل إلى خلوته مع السيد الخامنئي ويقول له: لا يحق لكم أن تذهبوا إلى جنيف للإتفاق مع الأميركيين وتتركونا وحدنا في المواجهة. أنا أتيت إلى طهران في مستهل الثورة. سماحتك لم تكن بعد في مركز القرار. تعرف من دون شك أن مصطفى شمران أول وزير دفاع في الثورة الإسلامية كان مسؤولا عكسريا في «حركة أمل». لم أوافق يومها على استراتيجة إيران في لبنان. أنتم فعلتم ما اعتبرتم أنه صحيح بالنسبة إليكم وخلقتم «حزب الله» من رحم «حركة أمل». أنا أعرف جيدا معنى الدم الشيعي ومعنى الصراع السني الشيعي. لقد خضت في هذا الدم في العام 1984 عندما دخلنا في «حركة أمل» إلى بيروت الغربية في 6 شباط وأسقطنا سيطرة الجيش اللبناني. أنا عملت اللواء السادس ولكنني لم أنفصل عن الدولة. نحن قضينا على تنظيم «المرابطون» السني عندما طلبت منا القيادة السورية ذلك. المرة الأولى في العام 1984 والمرة الثانية في العام 1985. أنا أعلنت بعد ذلك أننا لا نستطيع أن نتحمل قميص الأمن الوسخ في بيروت. كان ذلك قبل 25 عاما. نحن خضنا معارك شوارع بيروت ضد «الحزب التقدمي الإشتراكي» و»الحزب الشيوعي» في العام 1985 وفي العام 1987 ونحن مهدنا لعودة القوات السورية إلى بيروت. نحن حاصرنا المخيمات الفلسطينية التي خرج واحد منها اليوم لينفذ العملية الإنتحارية ضد السفارة الإيرانية. لم نخض فقط في الدم السني والفلسطيني. خضنا في الدم الشيعي من الجنوب إلى إقليم التفاح إلى الضاحية الجنوبية. سلمناكم أمرنا ولكن إلى أين وصلنا اليوم؟ كانت حربنا ضد العدو الإسرائيلي مشرفة. منذ البداية قاتلنا من أجل أن يكون أمن الجنوب لبنانيا شيعيا وليس فلسطينيا. السيد موسى الصدر دفع ثمن هذا الخيار. عندما أخفوه في ليبيا كان يبحث عن طريقة لإرسال الجيش اللبناني إلى الجنوب ليحل محل الفسطينيين بعد الإجتياح الإسرائيلي الأول في آذار 1978. نعم نحن أبناء الجنوب الشيعة كنا نريد أن لا يعرضنا الكفاح الفلسطيني المسلح للموت المجاني. نحن كنا ندفع الثمن وكنا نريد الخلاص. هل يجب أن نخوض اليوم في الدم السوري؟ هل يجب أن ننخرط في هذه الحرب المكلفة لنا؟ هل يمكن أن نتحمل انتقال الحالة العراقية إلى لبنان؟ هل الحل في الإستمرار في القتال أم في البحث عن مخرج؟ 15 عاما من الحروب والصراعات في لبنان لم تنته إلا بالحوار. لا نستطيع أن نتحمل أكثر من طاقتنا. لا نعلن الإستسلام ولكن للنصر طرقاً أخرى سيدي المرشد. إسمح لي أن أتحدث أكثر لقد جئت ولدي الكثير لأقوله. الكثير الذي خبّأته منذ 35 عاما. أنا الآن في الخامسة والسبعين من العمر. عندما تسلمت قيادة «حركة أمل» كنت في الأربعين. 35 عاما وأنا أحمل هذا العبء وهذه المسؤولية وتحت طائلة هذه المسؤولية جئت لأتحدث إليكم. أرجو أن يكون لكلامي صدى إيجابيا عندكم. قبل 35 عاما عندما جئنا إلى طهران بعد انتصار الثورة لم تستمعوا إلينا. لا نريد أن يسقط شبابنا في جبهات القتال في سوريا ولا في السيارات المفخخة في لبنان. لقد أصبحت القيادة ورائي. لم يتبق لي 35 عاما أخرى. لقد عدتم إلى الواقع الإيراني في تفاهمكم النووي فلماذا لا يمكن أن نعود نحن شيعة لبنان إلى واقعنا اللبناني؟ أشكركم على هذا الوقت الذي خصصتموه لي وعلى السماح لي بالتجرؤ على هذا الحديث ولكنني أحمل الرسالة وأشهد أنني بلغت. أنا أترك اليوم طهران وأرجو من سماحتكم أن تأخذوا ما قلته لكم في الإعتبار وكلي ثقة بأنكم قادرون على تخليصنا مجددا من قميص الأمن الوسخ. ساعدونا على إنجاز صفقة العصر في لبنان. صفقة إنهاء الفتنة السنيّة ـ الشيعيّة.
بعد عودته إلى لبنان تحدث الرئيس بري عن احتمال قيامه بزيارة إلى السعودية ولكنه قال إنه لا يقوم بوساطة بين الجمهورية الإسلامية والمملكة. ولكن أخبار القتل في العراق كانت تستمر بالتواتر وأخبار القتال في سوريا كانت تتصاعد مع تصاعد حدة المعارك وكانت مناطق شيعية كثيرة في لبنان تسير في مواكب تشييع جديدة لمقاتلين من «حزب الله» سقطوا هناك.