والتكفير هو اللازمة الجديدة التي يعتمدها “حزب الله” مع قوى 14 آذار. فموضة تشكيل الحكومة ورمي الكرة في ملعب قوى 14 آذار بطُلت الى حدّ ما، لأن التفجير المزدوج أمام السفارة الإيرانية فتح شهيّة “حزب الله” لابتكار اتهامات حديثة، فيما يرفض الحزب أي اتّهام يوجّه إليه وإن كان موثّقا بإثباتات وبراهين. فهل يحقّ للحزب أن يوجّه الإتهامات جزافاً ويوزّع انتقاداته “عَ الطالع والنازل”، في وقت يرفض الإنصياع لحكم القانون وتلبية العدالة؟!
والإرهاب التكفيري لم ينشأ في طرابلس ولا في صيدا ولا في أي منطقة لبنانية، بل هو ظهر مؤخرا ليردّ على تدخّل “حزب الله” في سوريا، البحث عن المسبب يبقى العقدة المحلولة في حبكة الحزب المسلّح والتكفير. بموازاة ذلك، إن قوى 14 آذار لم تظهر حديثاً، فإن دفاعها عن لبنان سبق علّة وجودها مع كل المتعاقبين على محاولة عزل لبنان عن الإرهاب الذي لطالما صدّره النظام السوري الى العالم. وإن كان التكفير ظهر كردّ فعل على تهوّر الحزب المسلّح، فليس منطقياً اتّهام قوى 14 آذار به، على قاعدة أن 14 آذار تبرر وتغطي المتورّطين في استهداف الأبرياء في طرابلس.
لا يُلام “حزب الله” إن كان يستخدم لبنان “فشّة خلقه” لأن قوى 14 آذار تشكّل نقطة ضعفه، في حين أنها نقطة القوة التي بقيت وحدها داعمة للبنان. لا شكّ في أنّ الحزب مرتبك جراء ما يواجهه في سوريا وبسبب الأعداد الكبيرة التي يخسرها فداء لبشار الكيماوي. ووسط كل هذه الإنفعالية، تكاد تصريحات “حزب الله” ان تشكّل متنفساً للإحتقان السياسي لما تثيره من استغراب على مستوى الدعوات السلمية! في هذا الإطار، يدعو نائب رئيس المجلس التنفيذي في “حزب الله” الشيخ نبيل قاووق قوى 14 آذار “لمواجهة الخطر التكفيري كخطر يهدد كل الوطن”، انطلاقاً من أن تدخّله في الحرب في سوريا لا يشكّل خطراً على لبنان، ولم يساهم في تشريع الحدود وتسهيل نقل المسلّحين والأسلحة ومنهم “كبير المتّهمين” ميشال سماحة!
عجباً! إن من يقود حرباً في سوريا الى جانب الإرهابي الكيماوي يدعو الى محاربة الإرهاب التكفيري في لبنان. بالطبع إن اللبنانيين لا يتغنّون بهذا الإرهاب، وهم الشعب المسالم الباحث عن السلام والطمأنينة، لكن كيف على من استجرّ الإرهاب الى داخل وطنه أن يدعو غيره الى مواجهته، وليس المطلوب بالطبع أن يحاربه “حزب الله”، لما يمثّله من تطرّف سياسي ومذهبي الطائفة الشيعية براء منه، إنما هو دور الدولة أن تحارب الإرهاب الكيماوي وشركاءه والإرهاب التكفيري ومَن يتسببون به.
“سياسة التبرير وتغطية المتورّطين” تلك التي يتحدث عنها قاووق ليست سوى تبرير وتغطية لما يقوم به “حزب الله” منذ 8 سنوات وربّما أكثر في لبنان، فمجرّد اتّهام الآخرين هو تغطية لفشل ما في مكان ما، هذا فضلاً عن أن من يتغنّى بانتصاراته الإلهية لا يهدد ولا يتوعّد ولا يخالف القانون والدستور، فالنصر إذا جاء مخالفاً للأعراف والأخلاق والقوانين يخسر الميّزات التي تجعله في مصافي الإنتصار ويتحوّل الى تبرير للخسارة!
اما التورّط بالتغطية والتبرير فليس لدى “حزب الله” أي مسوّغ قانوني لإطلاق هذا الإتهام، بينما يرفض “حزب الله” الإلتزام بالقانون وتسليم المتورّطين-المتّهمين في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ولتغطية المتورّطين يستخدم “حزب الله” حججاً واهية كعدم الإعتراف بالمحكمة الدولية واتّهام القضاة والمحققين بالعمالة، لا بل يجاهر الحزب بأنه لن يسلّمهم وإن بعد 300 سنة. فمَن يغطي المتورّطين، ومَن يخفي متّهمين ومَن يطيح القانون، ومَن يشكل خطراً على حياة لبنان ومستقبل اللبنانيين؟ ومَن يمنع الدولة من دخول منطقة الضاحية للقبض على المتورّطين في جرائم أخرى مثل محاولة اغتيال النائب بطرس حرب؟ هل هي قوى 14 آذار؟
لا شكّ في أن الدولة خارج الضاحية وفي أن “حزب الله” ضرب هيبة الدولة داخل دويلته، فهل المطلوب أن تُضرب هيبة الدولة في طرابلس التي لا يخجل “حزب الله” من دعم أبناء جبل محسن، ومنهم من فجّر مسجدَي “التقوى” و”السلام” ومَن تورّط في تهريب مجرمين.. فهل يريد “حزب الله” أن يحرّض الدولة على قوى 14 آذار، وأن يتّهم الطرابلسيين بالتكفير، وأن يسوّق دعمه لمجرمي جبل محسن وأن يعلن طرابلس دويلة لحلفاء الكيماوي؟ والى متى سيبقى “حزب الله” يتبع سياسة اللاعقلانية؟