الجميع متفق على ان الحركات الاصولية التكفيرية، هي حركات تتستر وراء الدين، او تأخذه مطيّة، بهدف هدم كل ما هو قائم من حضارات ومدنيات وفنون وتراث ولغات، والعودة بالمسلمين قسراً الى عهود ما قبل الاسلام، من جهة، والغاء الآخر حيثما وجد، وكائناً من كان، الاّ اذا انضمّ الى جاهليتهم مكرهاً او بملء ارادته، من جهة ثانية، والاخر بالنسبة اليهم هو المسيحي واليهودي والبوذي والملحد، وقد يكون المسلم الذي يرفض ان يخرج عن دين الاسلام، ويرفض ان يتحوّل الى قنبلة بشرية في دين التكفيريين، وهؤلاء الناس لا يختلفون بشيء عن قادة ورؤساء الانظمة الدكتاتورية الاحادية الذين يحلّلون لأنفسهم قتل كل من ليس معهم، او من يرفع رأسه ويقول، انا حرّ، الاّ بالاسم، فاولئك تكفيريون، وهم دكتاتوريون، امّا نتيجة افعالهم فواحدة… قتل وسحل وتعذيب وتدمير وتهجير، واللافت ايضاً ان الفريقين، أقلّية في هذا العالم، ولكنهم سبب بلاء البشرية، التي تسير على ما يبدو، على هدى القول المأثور: «الحق دائما مع القوة» والحربان الاولى الثانية والحروب الصغيرة والثورات والانظمة شاهد على ذلك.
ما حصل ويحصل في بلدة معلولا السورية، ذات الاكثرية السكانية المسيحية، وفي غيرها من المدن والبلدات ذات الاكثريات من طوائف ومذاهب اخرى، يدفعك الى الايمان والتسليم بأن الطرفين المتحاربين في سوريا، وهي الدولة ذات التاريخ العريق في المفهومين الحضاري والتراثي، لم يقصّراً لا في تدميرها وقتل شعبها، ولا في تدمير معالم حضارتها وتراثها. والغريب العجيب بالنسبة الى بلدة معلولا، ذات الآثار التي تعود الى المسيحية الاولى، والى الاسلام الاول، ان تكون ساحة قتال بين الطرفين، ومعارك الكرّ والفرّ فيها تثير الريبة والتساؤل في آن معاً، لماذا ينسحب منها الجيش، ليعود ويستردّها ثانية، بدلاً من تأمين حماية دائمة لها على اعتبار انها مدينة حضارة وتراث وليس لأنها مسحوبة على الطائفة المسيحية، ولماذا يصرّ التكفيريون على استباحتها وتشريد اهلها وهي لا تشكل خطراً عليهم، ولا هي منطقة استراتيجية، هذا من جهة، ومن جهة ثانية، لماذا يقف العالم المسيحي، او المفترض انه مسيحي، والعالم الاسلامي، مكتوفي الايدي امام تفريغ بلدة من سكانها وتاريخها وتراثها العالمي، بدلاً من المسارعة، واللجوء حتى الى القوة، لحماية معلولا، والبلدات والمدن الاخرى التي تشبه معلولا من حيث القيمة، وليس من حيث الطائفة او المذهب، لأن هناك بالتأكيد العديد من البلدات والمدن السورية التي لها تاريخ ابيض، وسكانها من السنّة او العلويين او الدروز.
في الحرب العالمية الثانية، ووفق ما تبين لاحقاً، كان همّ القادة، ان في دول المحور، او دول الحلفاء، كيف يمكن انقاذ كنوز الماضي والحاضر – في تلك الايام – من وحشية الحرب والمحارببين، وبعد انتهاء الحرب كان الهمّ، الاسراع في اعادة بناء وترميم الابنية والمعالم الاثرية التراثية، لتستقبل الكنوز التي تمت حمايتها في مخابئ تحت الارض، وما زال العديد من الدول تفتش حتى اليوم عن كنوزها التي نقلت الى دول اخرى.
ان تقصير العالم حيال سوريا وشعبها وكنوزها وقيمتها التاريخية، لطخة عار لا تمّحى، والقليل الباقي الذي سلم حتى الآن من اصحاب الاقدام الهمجية، سيكون مصيره التدمير، اذا كان حجراً او رسماً او صورة او كتاباً وذاكرة، وسيكون مصيره القتل او التشريد او الخضوع لقوة من اثنتين، اذا كان بشريا من لحم ودم، اذا لم يخجل العالم، ويستيقظ ضميره، ويتحرّك.