أوضحت مصادر عسكرية في طرابلس لـ”السياسة” أن القرار بإعطاء الإمرة للجيش لمدة ستة أشهر في طرابلس اثر اجتماع بعبدا الاثنين هدفه منح المؤسسة العسكرية “الغطاء الكامل” للجم التدهور الأمني وفقاً لرؤية قيادتها على أساس “عدم الإخلال بالتوازن” من جهة, و”توحيد القرار” بين أجهزة الدولة العسكرية والأمنية من جهة ثانية.
وأكدت المصادر أن القرار كان “ضرورياً جداً” هذه المرة, بعدما خرجت المجموعات المسلحة عن سيطرة كل القيادات السياسية, وفرضت نفسها بقوة السلاح على المدينة, تحت شعار “أولياء الدم”, في إشارة إلى المجموعة التي تبنت إطلاق الرصاص على أرجل العلويين في الأيام القليلة الماضية احتجاجاً على عدم تسليم المتهمين في تفجيري مسجدي السلام والتقوى في أغسطس الماضي, والمجموعة التي اخترعها “الحزب العربي الديمقراطي” وسلمها “الإمرة العسكرية” ضمناً على اعتبار أنها تضم أهالي الذين أطلق الرصاص على أرجلهم.
وشددت المصادر على أنه إزاء هذا الواقع الذي أرادت من خلاله القوى والمجموعات المسلحة فرض سطوتها على المدينة من بوابة “الأهالي” الذين يرفعون شعارات محقة في الظاهر, كان لا بد من قرار حازم وحاسم منعاً لتحول طرابلس ساحة حرب أهلية – مذهبية لن تقتصر تداعياتها على عاصمة الشمال وتنذر بتدحرج كرة النار إلى كل لبنان.
وأوضحت المصادر العسكرية أن الخيارات أمام الجيش لمعالجة التدهور الأمني ليست كثيرة, مشيرة إلى أنه لا يستطيع الضرب بيد من حديد واللجوء إلى سياسة الأرض المحروقة كما جرى في مخيم نهر البارد العام 2007 وفي عبرا بمدينة صيدا في يونيو الماضي, لأن الظروف تختلف كلياً, سواء لناحية الخسائر البشرية والمادية, أو لجهة التوازنات الداخلية والاقليمية.
وعليه, فإن الجيش لن يلجأ إلى الحسم العسكري لكنه لن يقف موقف المتفرج أيضاً, بحسب المصادر, التي أوضحت أنه سيعمد إلى تنفيذ خطة دقيقة تفضي إلى وقف الاشتباكات في مرحلة أولى خلال الساعات والأيام القليلة المقبلة, على أن يوسع انتشاره بشكل غير مسبوق في مرحلة ثانية لمنع تجدد الاشتباكات أقله في الأشهر الستة المقبلة.
وفي هذا الإطار, سيواصل الجيش عمليات المداهمة والتوقيف التي ستطال عدداً من قادة المسلحين في التبانة وجبل محسن ولو اضطر لاستخدام النار بكثافة, إلا أنه سيتجنب الدخول في معارك شوارع واسعة مع المسلحين, تجنباً لاستنزافه.
وبشأن إمكانية اعتقال رفعت عيد أو والده النائب السابق علي عيد على خلفية تورطهما في تفجير المسجدين, أكدت المصادر العسكرية أن الجيش سيلتزم تنفيذ الاستنابات القضائية بغض النظر عن الأشخاص, إلا أنه سيكون مضطراً للعمل بحذر ودقة, بحيث أنه لا يمكنه فتح معركة مع مئات المسلحين من أجل توقيف أحد المطلوبين.
ورغم أن الجيش سيحاذر الدخول في معارك شوارع مع المسلحين, إلا أنه لن يسمح باستمرار المظاهر المسلحة, حيث أوضحت المصادر أن الخطة الأمنية الموضوعة تقضي بمنع أي ظهور مسلح ولكن بشكل تدريجي خلال الأسابيع القليلة المقبلة, مؤكدة أن هذا الأمر “محسوم وغير قابل للنقاش” بعد تحول طرابلس غابة من السلاح وانتشار السرقات وأعمال الترهيب خلال الفترة القليلة الماضية, على هامش التوترات الأمنية والاشتباكات المسلحة.
وشددت المصادر على أن الجيش لكل اللبنانيين وليس لفئة من دون أخرى ولا يعنيه أي حديث عن طائفة أو مذهب, بحيث سيعمد إلى توقيف المسلحين ودهم أوكارهم بغض النظر عن انتماءاتهم الطائفية, وارتباطاتهم بالقوى السياسية.
ورداً على سؤال عن تفسيرها لقرار إعطاء الجيش الإمرة العسكرية من دون إعلان طرابلس منطقة عسكرية, أوضحت المصادر أنه يمكن وصف القرار بأنه “إعلان ضمني لحال الطوارئ” في المدينة, بعد استشعار السلطة السياسية حجم الأخطار الناجمة عن تفلت الأمور من عقالها وإمكانية تمدد المعارك إلى خارج خطوط التماس التقليدية, ومنها إلى مناطق لبنانية أخرى.
ورغم تأكيدها أن عودة الهدوء إلى طرابلس يتطلب قراراً سياسياً وليس خطة عسكرية – أمنية فقط, أكدت المصادر أن الجيش حريص على بذل كل ما في وسعه لمنع تدهور الأمور, ولن يتهاون في فرض الأمن ولو استدعى الأمر اللجوء إلى القوة في بعض الأحيان.