كان في الإمكان تفادي الجولة الـ18 بضحاياها ومصابيها في طرابلس. كيف؟ لكل “جولة” ظروفها لكن الأخيرة ارتبطت مباشرة بتفجير المسجدين وتداعياته القضائية، الإيجابية منها بتوصل التحقيقات الى كشف بعض المتورّطين، والسلبية متمثلة في العجز أو التعاجز عن ضبط، وإحضار متهمين سهّلوا تواري آخرين. هذه التداعيات تُدار في بيروت ومنها، وهي اصطدمت مجدداً بحال التعاسة التي بلغتها الدولة، بسبب من باتوا مسيطرين على قرارها وتمكّنهم سطوة السلاح والارتباطات الاقليمية من الضغط على المؤسسات كافةً.
من ذلك مثلاً أن تجديد الحملة على “فرع المعلومات” لم يكن مجرد فصل آخر من حرب مفتوحة على جهاز أثبت فاعلية ولم يقع بعد تحت هيمنة “ثلاثي الشر” – “حزب الله” والنظامين الايراني والسوري – بل أراد من يقفون وراء الحملة هذه حماية المشتبهين والمتهمين بتفجير المسجدين، وأصبح معروفاً أنه تفجير دُبّر ورُتّب في سوريا. ثم أن مؤازرة المشتبهَين علي عيد ورفعت عيد في رفضهما المثول أمام قاضي التحقيق لا تعني للبنانيين أنهما متورّطان فحسب، بل تؤشر الى أن المؤازرين دخلوا أيضاً دائرة الاشتباه وحتى الاتهام.
سواء كان سياسيو طرابلس يرعون المسلحين أم لا، فإنهم مضطرون لتفهّم أمر واقع يحكم المدينة التي أصيبت منذ غزوة بيروت في 7 أيار 2008 بالنقمة والاحباطات، ثم زادت المأساة السورية غليانها على وقع تجاوزات بينها قتل الشيخين العكاريين على حاجز للجيش، لكن أحداث صيدا – عبرا في حزيران الماضي وما رافقها من تنكيل “حزب الله” بالصيداويين وانتهاكات أتباعه للمنازل ونهبها فضلاً عن تدخل الحزب بدور الجيش جعلت طرابلس مسكونة بالشك والتوجّس من “غزوات” شبيهة بـ7 أيار ولكن متستّرة وراء الجيش الذي يريده اللبنانيون جهة وحيدة مسلحة وموثوقاً بها في خدمة الدولة، دولتهم، لا دولة ثلاثي الهيمنة الشريرة.
يُنظر الى أحداث طرابلس على أنها مرتبطة بأحداث سوريا، وهذا لا يشكّل كل الحقيقة. فالجانب الداخلي البحت مهم، لأن صراعات 8 و14 وتشعباتها في أزقة المدينة وسراياتها هي قاطرة الربط بسوريا والمراهنات على نتائج الصراع الدائر فيها، ويريد “ثلاثي الشر” – بواسطة الزعماء المحليين الدائرين في فلكه – أن يجعل من معاقبة طرابلس وإخضاعها نموذجاً مبكراً لإخضاع المعارضة السورية ومعاقبتها.
قدّم أركان الدولة الخطة الجديدة لسيطرة الجيش على الوضع في طرابلس باعتبارها “آخر الدواء”، ما الذي منع أن يكون أوّله؟! المهم أن تنجح هذه الخطة، فهي فرصة لطرابلس لكنها أيضاً فرصة للدولة. والأهم أن يُنفّذ شقّها القضائي المتعلّق بتفجير المسجدين. ومن اللحظة الأولى ينبغي الحذر، فأعداء الجيش ليسوا المسلحين المنفلتين فحسب بل إن ألَدّهم ما يسمى بـ”الطرف الثالث” الذي زرعه “ثلاثي الشر”.