يُشكّل الفراغ السياسي غير المسبوق، وارتفاع منسوب الاحتقان الطائفي والمذهبي، إضافة إلى الرياح الساخنة التي تلفح لبنان نتيجة الحريق المشتعل في سوريا، بيئة حاضنة للعابثين بالأمن والاستقرار في لبنان بغض النظر عن الأجندات التي يعمل بها هؤلاء. والمتابع لمجريات الأحداث الامنية المتنقلة، والتجاذبات السياسية التي تتفاقم يوماً بعد يوم يرسم صورة قاتمة عمّا ستكون عليه الأحوال في لبنان في الايام المقبلة سيما وأن معادلة الـ”أ.س” التي يعوّل عليها كمخرج وحيد متبقي لولوج الحل للأزمة السياسية لا تزال بعيدة المنال، وإن كانت هناك محاولات حثيثة لتقريب المسافات بين أركان هذه المعادلة بعد الانفراجات التي حصلت على خط الملف النووي.
إذا كانت مصادر سياسية مطلعة تعرب عن قلقها من إمكانية انتقال العدوى الامنية من طرابلس الى مناطق أخرى، فإنها تؤكد انه مهما جرى سيبقى في طار محدد لا يمكن لأحد تجاوزه لأسباب متعددة أبرزها وجود مظلة إقليمية ودولية للحفاظ على الاستقرار اللبناني الداخلي.
وتلفت المصادر إلى أنه لا ينبغي الخوف من انفجار بعض القنابل الموقوتة الموجودة في أكثر من منطقة من الشمال والجنوب في ظل الفراغ القاتل الموجود على كافة المستويات، وفي ظل انقطاع جسور التواصل بين القيادات السياسية التي على ما يبدو ركنت أمر البلاد والعباد إلى تطورات المنطقة وعلى وجه الخصوص الأزمة السورية.
وترى المصادر أن نموذج طرابلس ربما يتكرر في المدينة نفسها أو في أماكن أخرى بفعل حالة الاحتقان الموجودة على كل الصعد، وهو ما يعني أن البلد سيبقى في دائرة التوتر لمدة زمنية غير قصيرة، وأن أي تطوّر إيجابي لن يحصل على المشهد اللبناني الا بعد أن تحط المعارك في سوريا أوزارها، أو يحصل تفاهم ايراني – سعودي فوق العادة، لأن مثل هذا التفاهم إن حصل سينعكس ايجاباً على معالجة كل الملفات الموجودة في لبنان بدءاً من الانتخابات الرئاسية مروراً بتأليف الحكومة، وصولاً إلى تهدئة الشارع الذي بلغ في الآونة الأخيرة ذروة الغليان.
وتعتبر المصادر انه من العبث التفتيش عن حلول للمعضلات الموجودة في لبنان، ما دامت الامواج العاتية تتلاطم في المنطقة، فلبنان لا يمكن أن يعزل نفسه عن محيطه ولذا عليه تحمل وزر هذا الأمر، لكن ذلك لا يمنع من الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الأمني والاجتماعي.
وتكشف المصادر عن نصائح عديدة وصلت الى أكثر من مسؤول لبناني بضرورة الذهاب إلى تأليف حكومة خوفاً من الوقوع في الفراغ في حال لم تكن الظروف مؤاتية للاتفاق على رئيس جديد بعد انتهاء ولاية رئيس الجمهورية ميشال سليمان.
وفي اعتقاد هذه المصادر أن هناك حدثين بارزين يشكلان بالنسبة إلى لبنان محطتان رئيسيتان من الممكن أن يؤثرا على مجريات الأحداث فيه خلال الأشهر المقبلة، الحدث الأوّل يتعلق بعقد جنيف – 2 في النصف الثاني من الشهر المقبل في ما خص الأزمة السورية.
والحدث الثاني انتهاء مرحلة اختبار النوايا في النصف الأوّل من العام المقبل في ما يتعلق بالملف النووي الإيراني، فإذا جرت الأمور على هذين الخطين بانسياب وبهدوء وخلصا إلى نتائج إيجابية، فان لبنان سيكون المستفيد الأكبر في المنطقة، حيث يصبح في الإمكان فتح كوة في جدار الأزمات الموجودة وتحصل انفراجات على كافة الصعد، اما في حال جرت الرياح على عكس ما تشتهي السفن اللبنانية، فاننا سنكون امام ليل دامس ومرحلة حرجة وخطيرة جداً.
وعما إذا كان من الممكن الاستفادة من الوقت الضائع إلى حين حصول هذين الحدثين وطرح مبادرة داخلية علّها تحرك المياه السياسية الراكدة، تسارع المصادر السياسية إلى القول: إن أي مبادرة مهما كان نوعها وحجمها ومن يطلقها لن يكتب لها النجاح في ظل الأجواء الموجودة ما لم تكن محاطة بمناخات داخلية ملائمة وكذلك محاطة برعاية إقليمية وحتى دولية، فسبق أن مررنا بمحطات كثيرة طرحت في خلالها مبادرات كثيرة إن على مستوى تأليف الحكومة أو إنتاج قانون جديد للانتخابات ورأينا كيف أن كل المبادرات والافكار سقطت بفعل الانشطار السياسي الموجود في البلد.
وترى المصادر أن الآفاق اللبنانية لن تفتح في وقت قريب قبل انجلاء المشهد الإقليمي، ولذا فان أي مبادرة حل ستطرح من باب الوقت الضائع، خصوصاً وأن الشعب اللبناني تعود على قاعدة تقوم على انه لا يعرف كيف تبدأ المشكلة ولا يعرف كيف تنتهي، ففي كل مرّة كان الحل لأي أزمة يأتي عن طريق كلمة سر تطرق الباب اللبناني من الخارج، والي حين وصول كلمة السر هذه فان لبنان سيبقى في دائرة المراوحة والانتظار القاتل الذي يؤثر سلباً على مختلف مفاصل الحياة.
ولذا فان هذه المصادر تؤكد أن كل الاستحقاقات الداخلية ستبقى على رف الانتظار إلى حين نضوج التسوية التي باتت موجودة في مطابخ دول القرار، من دون أن يعني ذلك أن هذه التسوية باتت في متناول اليد، حيث من الممكن أن تمر في مخاض عسير على شكل تسويات حصلت حول ملفات إقليمية ودولية كان دائماً يسبقها أحداث وشد حبال في إطار محاولة كل فريق تحسين شروطه التفاوضية، ولكن في اغلب الاحيان كانت الدول الصغيرة أو الضعيفة تدفع ثمن هذه التسويات، والان الخوف كل الخوف أن يكون لبنان من بين الدول التي ستساهم في دفع الفاتورة المتوجبة لولادة التسوية التي يعمل عليها من قبل الدول الكبرى وعلى وجه الخصوص روسيا والولايات المتحدة الأميركية.