شكّل هجوم امين عام “حزب الله” حسن نصر الله على المملكة العربية السعودية، في رأي اوساط سياسية مطلعة في بيروت، اشارة بالغة الدلالات الى ان المناخ الذي عبّر عبر شاشة «او تي في» التابعة للعماد ميشال عون، يعكس في الواقع استمرار انسداد الافق في العلاقة بين طهران والرياض وسط ثبات السعودية على رفضها استقبال وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف رغم الجولة الخليجية للاخير، واندفاعها في المقابل في تعزيز انفتاحها على روسيا وهو ما عبّرت عنه زيارة رئيس الاستخبارات السعودية الامير بندر بن سلطان لموسكو ومسارعة الرئيس فلاديمير بوتين الى عقد اجتماع معه تناول ملفيْ الازمة السورية والتعاون العسكري بين روسيا والرياض.
ولم يكد نصر الله ينهي كلامه، حتى انهمكت الدوائر السياسية في «تحليله» من زاويتين: الاولى خلفيات إصرار طهران على فتح الابواب مع السعودية بعد تفاهمها مع المجتمع الدولي حول ملفها النووي، والثانية قياس انعكاسات ما يشبه «إعلان الحرب» السياسية الذي قام به الامين لـ«حزب الله» على المملكة على لبنان حيث انهارت كل الآمال بانفراجات وشيكة يمكن ان يحملها الاتفاق التمهيدي بين إيران ومجموعة 5+1 على الواقع اللبناني، سواء في الملفات الأمنية أو السياسية أو الاستحقاقات الراهنة وتحديداً تشكيل الحكومة.
وفي الزاوية الاولى، قالت الدوائر السياسية «المحايدة» لصحيفة «الراي» الكويتية ان ايران العائدة الى الحضن الدولي من خلال الالتزام بـ«دفتر شروطه» في الملف النووي والطامحة الى تسييل هذا التطور على مستوى نفوذها في المنطقة ترى نفسها امام واحد من خيارين: إما ترتيب أوضاع المنطقة «على البارد» ومن موقع «مدّ يد المنتصر» للسعودية، وإما السير بورقة الدخول على الملفات المشتعلة فيها من بوابة استدراج تلزيم دولي لها يضعها في معسكر محاربة «التطرف السني» وهو ما يعني صِداماً مفتوحاً في المنطقة له محاذيره الاقليمية والدولية.
اما في الزاوية الثانية، فرأت الدوائر نفسها ان تداعيات كلام نصر الله، الذي اتّهم ايضاً السعودية بأنها تعوق التوصل الى تسوية سياسية في سورية و»ترغب في المواجهة حتى آخر نقطة دم»، محملاً اياهاً لبنانياً المسؤولية عن تعطيل تشكيل الحكومة على قاعدة 9-9-6، لم تتأخّر في الظهور على مستويين:
* تسخين المواجهة مع فريق 14 آذار الذي تولى القيادي الابرز فيه زعيم «تيار المستقبل» سعد الحريري الردّ من السعودية بعنف على نصرالله متهماً اياه بـ «الغرور» ومذكراً اياه بان حزبه هو المتهَم الرئيسي باغتيال الرئيس رفيق الحريري وانه «هو من أرسل جماعات ارهابية الى الخبر في السعودية والى الأرجنتين وبلغاريا ونيجيريا والبحرين واليمن ومصر». واذ اعتبر ان «حسن نصرالله تسلّق الاتفاق الإيراني الأميركي واستطاع ان يُخرِج من صدره كل عوامل الكراهية التي يكنّها الى السعودية وقيادتها»، ذكّر بان «تاريخ السعودية مع لبنان هو تاريخ مشهود بالبناء والخير والسلام، خلافا لتاريخ حليفه النظام السوري الملطخ بدماء اللبنانيين»، وآخذاً على «السيد حسن انه يغرق في بحر متلاطم من الغرور، لن يؤدي لغير المزيد من الضياع والاحتقان وإضرام الفتنة في النفوس».
* تظهير تمايُز بارز جديد بين رئيس الجمهورية ميشال سليمان وفريق 8 آذار ولا سيما «حزب الله» اذ انبرى سليمان من جبيل الى الردّ المباشر على نصرالله، مؤكداً انه «لا يجوز ان نفسد العلاقات التاريخية مع دولة عزيزة كالسعودية من طريق توجيه التهم اليها جزافاً، من دون أي سند قضائي او حقيقي او ملموس، او عبر التدخل في ازمات دولة اخرى وأعني سورية، لمناصرة فريق ضد اخر، وهذا التدخل من أي طرف أتى هو أيضا مدان»، وملاحظاً ان «كل هذا يجري للأسف وعدونا ينتظر ويحقق أهدافه الهدف تلو الآخر، واليوم حقق هدفاً من أهدافه (اغتيال القيادي في حزب الله)» ومذكراً بان من اهداف الحوار «تحديد وجهة السلاح وكيفية الإفادة من القدرات الوطنية للدفاع عن السيادة والارض، وابرزها طاقات الشباب ومعاني التضحية والإستشهاد».
وفيما يؤشر هذا المناخ السياسي الى ان لبنان على مشارف مرحلة جديدة من التصعيد في ظل انكشاف امني كامل سواء على التفجيرات او الاغتيالات، فان مخاوف سادت من انعكاسات مواقفه والردود عليها وما عبّرت عنه من اشتداد «الكباش» الايراني – السعودي على الواقع في طرابلس التي كانت بدأت تتلمس طريقها الى هدنة جديدة في ظل محاولة الجيش اللبناني، صاحب الامرة الوحيد فيها، ضبط الوضع على طريقة «الخطوة خطوة»، ولا سيما بعدما جزم وزير الداخلية مروان شربل ان الوضع في عاصمة الشمال بعد تفجير المسجديْن في 23 اغسطس الماضي دخل منعطفاً جديداً وان الحل الجذري لواقعها لا يكون خارج تفاهم ايراني – سعودي – سوري.