ماذا تراها اكتشفت الصحف اللبنانية امس بابرازها صورة بيروت الكبرى العائمة على بحيرة يسبح فيها تعتير الناس المبتلين بكونهم ينتمون الى بلد منزوع من دولة؟
وبماذا قدمت او أخرت محطات التلفزيون اللاهثة الى النقل المباشر المفتوح مدى ساعات عبر صور لا تثير الا الشفقة على الناس الذين ذنبهم السعي الى الرزق في مصيدة جادت معها الطبيعة بعد طول انحباس بمطر نافس أزمة تشكيل حكومة هائمة في التصحر؟
وماذا سيكون الامر عليه في الايام التالية سوى تكرار رتيب مملّ للادبيات ذاتها والمعزوفات نفسها ؟
مفاد ذلك بسيط وهو ان ما “ما لجرح بميت إيلام” وان “الضرب بالميت حرام”. عبثا الظن بعد ان ثمة في لبنان ما يصطلح على تسميته “الرأي العام” او قوى المجتمع المدني. هذا الامر لم يندثر في لبنان السياسة وحده بل في لبنان المواطن ايضا، بما يعنيه في الحياة العامة والخدمات الاقل من البديهية والطبيعية بحدودها الدنيا. والصحافة والاعلام، بصرف النظر عن الامراض التي أصابتهما، لا نخالهما مقصرين في اثارة الصراخ وتسليط الاضواء الكاشفة المتواصلة على أحوال الناس البائسة، ومع ذلك غالبا ما اضحى الامر اشبه بالترفيه وملء الساعات المنقولة عبر الشاشات والاعمدة المرصوفة، ولا من مجيب ولا من تغيير ولا من يحزنون.
هو أفظع ما ينتهي اليه رأي عام إن في السياسة او في المجتمع ان يكون مصيره كعداد وأرشيف بارد فقط بعد عقود من الحروب والازمات وتدمير مفهوم مصالح المواطن خدمة لمصالح السياسة، ناهيك عن تركيب نظام زبائنية في الدولة فشل فشلا ناجزا في اقامة البنى التحتية في طول البلاد وعرضها. اما ما يتصل بتلك المزحة المسماة محاسبة ومساءلة واطلاق عملية تصحيح فلا داعي لمقاربتها اطلاقا لان اثارتها باتت أشبه بالوجدانيات الادبية التي تتحدث عن ممالك وهمية ليست من عوالم لبنان ولن تكون منه يوما.
هو أسوأ ما ضرب لبنان ان “يتخاوى” فيه الغلط والارتكابات والفشل والمصائب كما الجرائم مع نمط التسامح وغض النظر والتطبع مع الشواذ الى حدود لا يرف معها جفن حيال كارثة تحصل وتمر بلا محاسبة ويعود الناس في اليوم التالي الى يومياتهم كأن شيئا لم يحصل. هل ثمة من نسي ان معظم بيروت ينام على كارثة محتملة هي اشبه ببركان نائم اسمه المباني القديمة المهددة بالتداعي ؟ ماذا لو تكررت مأساة الاشرفية في أي لحظة الآن؟ ام تراه تصريف الاعمال بات جواز المرور والعبور لدولة برمتها تحكم بالمغانم والمحاسيب والازلام وتغسل أيديها عند المحاسبة بذريعة الفراغ؟ ومن قال ان دولة لبنان أساسا هي غير عوامة فراغ مستدام؟