كتبت مارلين خليفة في صحيفة “السفير”:
يجيد سفير فرنسا في لبنان باتريس باولي العزف على أوتار السياسة اللبنانية والإقليمية، هو ملمّ بتفاصيلها منذ سني نشأته الأولى في ليبيا، ومرافقته لوالده الديبلوماسي المستشرق في مهامّ عدّة لعلّ أبرزها في الكويت التي خدم فيها باولي نفسه سفيرا. وشكّلت دائرة شمال أفريقيا والشرق الأوسط في وزارة الخارجية الفرنسية مختبرا آخر قبل انتقاله الى لبنان سفيرا لبلاده عام 2012.
تمنحه هذه الخلفية هدوءا في مقاربة المواضيع الشائكة، يدعّمها بـ«ديبلوماسية ناعمة» تجعله يتهرّب بلطف مما لا يرغب الخوض فيه، فيقول بلغة عربية جيّدة: «لا خبر لي عن هذا الموضوع».
في لقاء حواري مع أسرة التحرير في «السفير» شرح باولي سياسات فرنسا الحالية تجاه لبنان، مصراً على حصر الحديث في نطاق مهام سفارته في بيروت.
أبرز ما قاله، ردّا على سؤال، «إن التفجير قرب السفارة الإيرانية هو تطوّر خطر، إذ يشير الى استيراد إضافي للأزمة السورية الى لبنان ويشجّع الاستقطاب في الدّاخل». ويرفض باولي، الذي زار السفير الإيراني غضنفر ركن أبادي معزيا إياه بضحايا التفجير الانتحاري، الربط بين التفجير وتدخّل «حزب الله» في الحرب السورية قائلا: «استهدفت العملية الإرهابية السفارة الإيرانية وليس حزب الله».
تشعّب الحديث مع السفير باولي عن الإسلاميين المتطرفين وخصوصا في مالي وفي سوريا، فأعرب عن «قلق» فرنسا من «سفر بعض الفرنسيين للقتال في سوريا»، مشيرا الى أن «فرنسا بذلت جهودا لمكافحة المتطرفين في مالي، وهي لا تشجع هذا التطرف في سوريا أيضا، ولا اتصالات البتة مع هؤلاء». وردّا على سؤال قال: «طالما شجعت فرنسا حلا سياسيا في سوريا يجمع الأطراف كلها من النظام ومن المعارضة، أما من شجع الإرهاب والتطرف فليس فرنسا، بل من أفرج عن بعض المتطرفين من السجون السورية». ويقتبس باولي قولا صينيا للتدليل على تفكير البعض في سوريا مفاده: «لون القطّ غير مهمّ إذا أمسك بالفئران»، معلقا: «لكننا نهتمّ بلون القطّ».
عمّا إذا كانت الحرب التي خاضها «حزب الله» ضدّ التكفيريين قد تدفع الى شطب جناحه العسكري في كانون الثاني المقبل عن لائحة الإرهاب الأوروبية في المراجعة الدورية قال: «نحن ضدّ أيّ تدخّل لبناني في سوريا، وتدخّل حزب الله الضخم هناك كان خطأ، وإدراج الجناح العسكري للحزب كان بسبب قضايا معينة منها في قبرص وبلغاريا، وهنا أسأل لمَ التركيز على الجناح العسكري لحزب الله فيما تزخر لائحة الإرهاب الأوروبية بأسماء أخرى؟». ويضيف باولي: «لا تريد فرنسا قطع علاقاتها مع أي طرف لبناني ذي تمثيل، وهي حريصة على الحوار مع الجميع، لذا فإن حوارنا مستمر مع حزب الله عبر مسؤوليه السياسيين».
وعن إمكانية التعاون الأوروبي مع إيران و«حزب الله» في مواجهة الإرهاب قال باولي: «إيران كدولة ينبغي أن تكون ضدّ الإرهاب، أما حزب الله فهو حزب وليس دولة. وفرنسا تتعاون مع الدول والحكومات، ومكافحة الإرهاب تقع على عاتق الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني والقوى الأمنية اللبنانية».
الاستحقاق الرئاسي
يدعو باولي اللبنانيين الى «الاستيقاظ على الأخطار المحدقة بهم وعدم انتظار راع إقليمي أو سواه لحلّ مشاكلهم السياسية والاقتصادية المتفاقمة»، محذرا «من تمادي الشلل الحكومي»، قائلا ردّا على سؤال عن إمكانية مساعدة فرنسا بدعوتها لمؤتمر حوار بين اللبنانيين بقوله: «يمكن لفرنسا لعب دور في مجلس الأمن مثلا عبر توفير إجماع من أجل لبنان، لكن ثمة مسؤوليات تترتب على اللبنانيين، وتشكيل حكومة لبنانية ليس من مسؤولية فرنسا. توتّر الأوضاع الأمنية دفع اللبنانيين الى التفكير الجدي بتشكيل حكومة، ثم بعد التهدئة في المنطقة قالوا إن ذلك سيعفينا من بذل الجهود وعادوا للحديث عن الراعي المساعد في تشكيل الحكومة». وأضاف: «لا إمكانية حاليا لعقد مؤتمر سان كلو ثان، فالمسؤولية تقع على اللبنانيين أنفسهم وهم لا يتحملونها بسبب التأثيرات الكبرى من خارج لبنان، ونحن لا يمكننا أن نحلّ مكانهم، قد نساعد بالوسائل الديبلوماسية والسياسية إذا حصل حدّ أدنى من الحوار بينهم، وإذا لمسنا إرادة بذلك وحدّا أدنى من الثقة بين اللبنانيين أنفسهم. أستمع الى آراء الأحزاب كلها، ويبدو أن إرادة تشكيل حكومة ليست كافية حالياً، فكيف نتخذ مبادرة كي نقنع اللبنانيين بتشكيل حكومة؟».
وعما يتردّد عن رغبة فرنسية بالتمديد لرئيس الجمهورية قال باولي: «لن تعمل فرنسا لمصلحة التمديد، فهي ترغب باحترام المواعيد الدستورية وهي مع إجراء الانتخابات في موعدها، وعلى اللبنانيين تشكيل حكومة وانتخاب رئيس تبعا للدستور، القرار لبناني ولا تتدخل فيه فرنسا».
النفط و«اليونيفيل» والنازحون
تسهم فرنسا بـ900 جندي في قوات الطوارئ الدولية في جنوب لبنان، ويقول السفير باولي إنّ «الجنوب حاليا هو من أهدأ المناطق اللبنانية». وهل من تخوّف فرنسي أمني على قوات «اليونيفيل» في ظل تصاعد التهديدات التكفيرية؟ يقول: «طلبنا ضمانات أمنية من السلطات اللبنانية والجيش، وقد حصلنا عليها. لا خوف مستجدّا، الأوضاع في الجنوب هادئة، هناك تهديدات ضمنية منذ وقوع التفجير ضد قوات اليونيفيل منذ عامين، إلا أن الأوضاع مستقرة لغاية اليوم والجيش اللبناني قدّم ضمانات لحماية تنقل اليونيفيل على الطرق».
يشير السفير باولي إلى أن ثمة اهتماما كبيرا للشركات النفطية الفرنسية باستخراج النفط في لبنان «وقد طلب منها تقديم عروض واقتراحات، وهذه تحتاج الى ميزانية، وقد تكون الفرص أكبر في قبرص وشمال العراق. ووسط الشلل الحكومي الحاصل وعدم اتخاذ القرارات المطلوبة، قد لا تصبر الشركات كثيرا وتتجه الى أماكن أخرى».
يصف باولي الأزمة الإنسانية التي تمر بها المنطقة ولبنان بأنها «أكبر أزمة إنسانية منذ أعوام في العالم». ويتطرق الى موضوع النازحين السوريين في لبنان بقوله: «لا نرى كيف يمكن تكثيف المساعدات وسط شلل حكومي واضح، فقد طلبت السلطات اللبنانية مساعدات في التربية والتعليم، ولنا اتفاقية لبناء المدارس بقيمة 45 مليون يورو لا تزال مجمّدة في انتظار تصويت البرلمان، وهي من بين ملفات أخرى لم تصل للبرلمان وسط غياب حكومة، أضف الى ذلك مساعدات بقيمة 190 مليون يورو لمشاريع بنى تحتية وهي أيضا مجمدة».
وتطرق الى اجتماع «المجموعة الدولية من أجل لبنان» الذي انعقد في نيويورك في أيلول الفائت، مشددا على «استمرار بذل الجهود الفرنسية في إطار حثّ الدول على مساعدة لبنان، وخصوصا الدول الخليجية». وكشف باولي عن «مؤتمر اقتصادي سيجمع شركات لبنانية وفرنسية في شهر كانون الثاني المقبل لتوطيد التعاون بين الشركات اللبنانية والفرنسية في المنطقة، ما يصبّ في مصلحة الطرفين، على الرغم من أن الأوضاع في لبنان غير مشجعة». وقال باولي إن اجتماع نيويورك «حقق إجماعا بين الدول الخمس من أجل لبنان، وقد انعقد اجتماع مكمل في نيويورك في الأسبوع الفائت، وهو دليل على أن الجهود الدولية مستمرة».
ولفت الى أن «المساعدة الفرنسية للنازحين عبر الوكالات الإنسانية الأوروبية والدولية مستمرة، وهي لا تنحصر بالنازحين بل أيضا بالمجتمعات المحلية التي تستقبلهم، وخصوصا في المناطق الفقيرة في شمال البقاع وعكار، حيث لا يقبل اللبنانيون أن تصل المساعدات للنازحين فحسب في حين أنهم يعانون من نقص البنى التحتية ويتحملون ومجتمعاتهم عبء النزوح الكثيف».
