لا يقصّر “حزب الله” في توزيع الصفات كما الاتهامات، فأداؤه في هذا المجال تحوّل على حد قول المثل اللبناني “كرَم عَ درب” وبات سياسته اليومية لا أبعد ما يكون عن السياسة الخدماتية إلا في ما يتعلق بتأمين خدمات قاتل الأطفال “ديليفري” من لبنان إلى سوريا، وكل ما عدا ذلك ينطوي على أحجيات “القيل والقال”، فلا أدلة على اتهاماته ولا براهين حسّية على كلامه.
مهما سيركز “حزب الله” أبحاثه واستطلاعاته فهو لن يقرن كلامه بالدليل القاطع، لأن اتهاماته باطلة وتنطوي على هروب مرّة من الباب ومرّة من الشباك، فالحزب لا يخطئ لأنه مرفّع عن الخطأ ولا يُتَّهم لأنّه بريء من كل التهم ولا يُعاقَب لأنه فوق القانون. أليس “حزب الله” مَن قتل الشهيد الطيار سامر حنا وشهيد الكلمة الحرة هاشم السلمان؟ الحزب لا يعترف ولا ينكر في الوقت عينه، لكن كلمة “عفوياً” وحدها قادرة على غسل يديه من مثل هذه القضايا. أمّا في طرابلس، فيمكنه بكل سهولة اتهام قوى 14 آذار بما يقوم به مجرمو جبل محسن لمجرّد أن أبناء طرابلس هم جزء لا يتجزأ من قوى 14 آذار، وهم ينتمون إلى “تيّار المستقبل” تحديداً.
أبناء طرابلس لم يتوقفوا عن توجيه النداءات إلى الدولة اللبنانية لبسط سلطتها ونشر جيشها وإلقاء القبض على مَن تتصدّر صور بشار الأسد مكاتبهم، وأن تعاقب مَن فجّر مساجدهم. في منطق “حزب الله” اللامنطقي، لا يحق لـ”تيّار المستقبل” وبالتالي للطائفة السنّية أن تدافع عن وجودها وأن تقاتل مَن يتسابقون في ولائهم للخارج حفاظاً على لبنان واحتراماً للجنسية اللبنانية، بينما يحق للحزب أن يدافع عن بشار الأسد، الذي يدّعي حماية الأقليات في حين لم يجهد نفسه لانقاذ بلدة معلولا.. ولمَ سيفعل إن كان عالماً بأنّ نظامه سيسقط وبأنّه لن يحتاج إلى أصوات الناخبين بعد اليوم!
لو كان “حزب الله” يقاتل لقناعته بقضية ما، مهما كان نوعها لكان عرف معنى التضحية من أجل تلك القضية ولما كان اتهم أبناء طرابلس بـ”أمراء الأزقة”.. فعناصر الحزب لا يؤدون “واجبهم الجهادي” في سوريا في نادٍ مخصص للقتل، إنّما في شوارع الشعب السوري وبين منازله، وهو لا يخصّهم ولا يمتّ إليهم بصلة قرابة ولا بصفة قانونية أو عسكرية. فالدفاع عن الوجود الذي تلتزم به قوى 14 آذار في كل مواقفها وتدعو الدولة فيه إلى بسط سلطتها على كل الأراضي اللبنانية لا ينطبق على “أمراء أزقة” وإلاّ لكان الوصف الدقيق لقتال “حزب الله” في سوريا “أمراء حرب” أو “أمراء كيماوي”.
وعلى لسان الحزب المقبل على نهاية محتّمة في سوريا، تأتي الدعوة لقوى 14 آذار “بتحمّل المسؤوليات ورفع الغطاء كلياً عن هؤلاء (المجموعات العنقودية) والكفّ عن احتضانهم واختلاق التبريرات لهم ولعبثهم”، ويطلق دعوات أخرى تتعلق بحكم القانون والمؤسسات. يعرف “حزب الله” بأن دعواته لن تلقى الآذان الصاغية ولن تجد صدى لها عند قوى 14 آذار، ليس لأنّ الأخيرة ترفض الرأي الآخر، بل لأنها جرّبت التعاطي مع فريق 8 آذار من خلال طاولة الحوار، وتثبتت بعدها من سوء نوايا الحزب الذي يرفض حتى مناقشة مصير سلاحه. وعلى مَن يدعو إلى رفع “الأغطية” عليه أن يتنبّه إلى أنّ الغطاء الذي انكشف عنه في سوريا وقبله في 7 أيار جرّده من أي دور رسمي، وليس عليه سوى أن يرفع الغطاء عن أسماء الأشخاص الذين وردت صورهم إلى مخفر الاوزاعي بقضية هاشم السلمان بعد مرور 6 أشهر على قتله، فما هي الاتهامات الجديدة التي سيستنبطها “حزب الله” لمحاولة إزاحة 14 آذار؟