لو ان المسؤولين في الدولة، وخصوصاً في هذا العهد، يعرفون صلاحياتهم جيداً، كما نصّ عليها الدستور، وفصّلتها القوانين، ويلتزمون بها وينفذونها كما يجب، كما يفعل رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، لكانت السلطة الاجرائية، على تنوّعها، والسلطة المشترعة، والمؤسسات العامة على اختلافها، بألف خير، وتعمل كما الساعة السويسرية.
ولو كانت القيادات السياسة والحزبية، بأكثرية محترمة، ومن معارضين وموالين، يعرفون ما يسيء الى لبنان وشعبه، والى الدولة ومؤسساتها، ويتصرّفون بوحي هذه المعرفة من دون تفضيل المصلحة الخاصة على المصلحة العامة، واعطاء الاولوية للصديق او الحليف او المرجعيات الخارجية، لكان الوطن بالف خير، وكانت الدولة قويّة، سيّدة، عادلة، تمثّل الجميع، وتعمل لمصلحة الجميع، امّا وان الحالتين غير متوفرتين بالكامل، فلا يستغربنّ احد، لماذا كل شيء في لبنان معطّل، او يعمل بطاقة لا تتجاوز ربع قدرته وقوّته، الى درجة ان «ميني» عاصفة مائية، عطّلت جزءاً كبيراً من لبنان، وبشكل خاص العاصمة وضواحيها، وهذا التعطيل كان صورة عن التعطيل الذي يضرب الحكومة، ومجلس النواب، والعديد من المؤسسات الحيوية في تلبية حاجات الناس، مثل القضاء، والأمن والاقتصاد والسياسة الخارجية، ولهذه الاسباب مجتمعة، ولأنه المسؤول الاول عن سلامة لبنان واستقلاله وسيادته، وعن تطبيق احكام الدستور الموضوعة تحديداً لحماية مصالح الشعب اللبناني وسلامته، يعمد الرئيس سليمان الى التدخل للتصويب احيانا، والتوجيه احياناً اخرى، والتحذير عندما تدعو الحاجة، بصرف النظر عن الجهة او الفريق او الشخص المعني بالتصويب او التوجيه او التحذير، لأن الشعار المفضّل لدى الرئيس سليمان، على ما يبدو، هو «مصلحة لبنان فوق كل اعتبار» امّا مسارعة البعض المتضرر او المنزعج من مواقف سليمان الدستورية السيادية، محاولاً حرفها عن حقيقتها وجوهرها، وإلباسها هدفاً غير صحيح وغير واقعي، ووضع هذه المواقف في خانة المصالح الشخصية التي يبرع فيها، كأن يتهم سليمان بأنه اخذ هذا الموقف او ذاك لتدعيم سعيه الى تجديد او تمديد ولايته الرئاسية، فهي محاولة مكشوفة وعارية امام اللبنانيين الذين يعرفون جيداً من هو الحريص على مصلحتهم ومصلحة لبنان، ومن هو الذي يبيع ويشتري لمصلحة الخارج.
* * * *
الرئيس سليمان، قال بوضوح وفي اكثر من مناسبة، ونقل عنه في اكثر من مرّة، انه ضد التجديد والتمديد، ليس لرئيس الجمهورية فحسب، بل لأي منصب آخر، وذلك لسببين اساسيين، الأول لأن النظام البرلماني الديموقراطي قائم على تداول السلطة، والثاني لأن التمديد او التجديد لرئيس الجمهورية غير دستوري اساساً، واثبتت التجارب السابقة مدى الانعكاس السيئ الذي تولّده هذه الخطوة على البلاد، خصوصاً اذا كانت مفتعلة وضد الرغبة الشعبية، ولأسباب خارجية لا علاقة لها بلبنان، على غرار ما حصل في ولايتي الرئيسين الياس الهراوي واميل لحود، ولذلك فان اثارة الموضوع بين الحين والآخر، الهدف منها التعمية على حالة الفراغ التي تسبّب بها البعض، حين عرقل وضع قانون جديد للانتخابات النيابية، وساهم في التمديد لمجلس النواب، ثم عطّله، وحال دون تشكيل حكومة جديدة على قاعدة الالتزام بالدستور، واطاح باعلان بعبدا الذي كان يمكن ان يضمن السلام والاستقرار في لبنان على قاعدة تحييده عن صراعات الاخرين وعدم الانغماس فيها، امّا اذا كان يخطط البعض لخلق حالة امر واقع من الفراغ الكامل، ويعرقل انتخاب رئيس جديد للجمهورية، الاّ اذا كان طوع امره، وخيال رئيس، فان التمديد للرئيس سليمان، ولو خلافاً للدستور والنظام الديموقراطي، يبقى خشبة نجاة من تضييع لبنان الكيان والدولة والصيغة.