ليس أسوأ من إشهار حسن نصرالله إيمانه ب”نهائيّة الكيان اللبناني”، بطريقته الاستعراضيّة الإيهاميّة النافرة، إلاّ الترويج لهذا “الفتح التاريخي” على ألسنة أغبياء أو خبثاء أو.. عملاء.
لا يشبه كلام نصرالله في “لبنان الوطن النهائي لجميع أبنائه”، كما ورد في السطر الأوّل من الدستور، إلاّ كلامه العابر، قبل سنوات، عن ال”10452 كلم2 “. كلام متأخّر ومسروق في المرّتين، يناقض تماماً عقيدته وأفعاله، في النصوص والممارسة. وغايته دعائيّة فقط لاستجداء عاطفة وتغطية ارتكاب.
ولم يكن ما مارسه أخيراً، في حرم الجامعة اليسوعيّة في الأشرفيّه، سوى نموذج حيّ للعداء ضدّ مُطلِق الشعار، بشير الجميّل، وما يعنيه من وجدان وطني على هذه المساحة التي تحتضن فكرة نهائيّة الكيان.
وفي نصوص “حزب الله” ومدوّناته، التي هي فوق أيّ خطاب أو حديث تلفزيوني استهلاكي، لا أثر للإيمان الطارىء بنهائيّة لبنان، لا في وثيقة تأسيسه، ولا في الثانية الأخيرة قبل 4 سنوات، ولا في أدبيّاته وبياناته.
بل كان هناك دائماً هزء واستخفاف بشعار “لبنان أوّلا” وأهله من ثورة الأرز، وتحديداً من حامل لوائه، “تيّار المستقبل”. وهو الشعار الذي يعني في عمقه نهائيّة لبنان، خلافاً لمشروع “الجمهوريّة الإسلاميّة”، الحيّ الباقي، رغم السكوت اللفظي عنه.
وفي الممارسة، سارع “حزب الله” إلى التنصّل من بند ترسيم الحدود مع سوريّا كما ورد في الجولة الأولى من “الحوار الوطني”، ليس فقط في مزارع شبعا، المشجب الذي علّق عليه “قدسيّة” سلاحه، بل على طول الحدود التي ألغاها عمليّاً مع سوريّا باجتياحها نحو القُصير، وما بعد بعدها، في الذهاب والإياب.
لقد أعاد خلط الحدود وأسقط ميدانيّاً وجغرافيّاً فكرة الكيان المستقل و”النهائي”، ثمّ خرج يتحدّث عن “النهائيّة” كخدعة للحكّ على حساسيّة الكيانيّين الأوائل، المسيحيّين الذين لُدغوا من جحره مرّة، ولن يُلدغوا مرّتين، ولو غرق بعضهم في أوحاله ولا يستطيع الخروج.
كيف يكون لبنانيّاً كيانيّاً مَنْ يأخذ تعليماته وأوامره من “سيّده وقائده ومولاه” الفقيه، ويعتبر نفسه جنديّاً صغيراً في جيشه، وينفّذ بأمانة مطلقة مشروعه في لبنان وسوريّا وعلى امتداد المنطقة والعالم؟!
هل هي ذراع “كيانيّة لبنانيّة نهائيّة”، تلك التي امتدّت إلى العمق السوري والعراقي والمصري واليمني والبحريني، بل توغّلت إلى شاطىء العاج وكوتونو ونيجيريا وقبرص وبلغاريا وأوروبا وصولاً إلى الأميركتين؟!
لعلّه انتشار لبناني عالمي من نوع آخر، استبدل الإغتراب المبدع بالسلاح المفزع، والعقل بالقتل، والكَشّةَ بالعبوة!
بل هو انقلاب كامل على كلّ ما هو كيانيّ، حتّى داخل طائفته، فأطاح العائلات اللبنانيّة الكيانيّة السبع، وغيّب وجوهاً وأعلاماً وأئمّة روّاداً وبناة استقلال وكيان، من كبار جبل عامل إلى آل الخليل والزين وبزّي وعسيران والأمين ومروّه وحماده والحسيني وحيدر وياغي، إلى الصدر وشمس الدين وفضل الله والسيّاد فحص والأمين وسواهم. وأحلّ مكانهم جماعة مربوطة بقرار غير لبنانيّ، وأجندا وافدة، ثمّ يحدّثك عن “نهائيّة الكيان”!
المؤمن بنهائيّة لبنان لا يرتبط بمشروع غير لبناني. لا يهدم السقف على شركائه ويُعلن الطلاق معهم ويرفض رأيهم و”غطاءهم”. لا يجتاح مدنهم وقراهم ويقضم أرضهم ويصادر أصوات انتخاباتهم. لا يقطع عليهم طرق المطار وساحل المتن وجرود جبيل. لا يستعلي ويستكبر. لا يخوّن خصومه ويهدر دماءهم. ولا يفرض عليهم حروباً “مقدّسة” تارةً في الجنوب وتارةً في الشمال.. ودائماً في وجه كلّ العالم (قبل الصلحة مع “الشيطان الأكبر”).
والأشدّ خطورةً أنّ “حزب الله” تفوّق على دعاة تذويب لبنان في قوميّات خارجيّة، سوريّة أو عربيّة، بالسعي إلى تذويبه في “قوميّة أعجميّة” تحت قوس، أو هلال، أو مشروع، تتخطّى البيئة العربيّة نفسها.
فهل هناك من يستطيع تفسير شعاره “المقاومة الإسلاميّة في لبنان” بغير أنّها وافدة من الخارج، وليست “إسلاميّة لبنانيّة”، على الأقلّ؟ فأين الكيانيّة في الشعار وحامليه؟.. مع الإشارة إلى عقيدته بأنّ الأرض ملك “الأمّة” وليست كيانات وحدوداً وسيادات وطنيّة. وأيُّ فرق في هذا المجال مع مَنْ يسمّيهم “تكفيريّين”؟
أليس هذا ما يعنيه كلامه المستجدّ عن رئيس الجمهوريّة بأنّه يمثّل السلطة فقط من ثالوث الدولة: الأرض والشعب والسلطة، بما يعني أنّ “حزب الله” هو مَنْ يمثّل الشعب والأرض.. ويجب أن نزيد: ..والسلطة بعد اغتصابها؟!
باسم “نهائيّة لبنان”، يحاول حسن نصرالله جرّ لبنان إلى نهايته. ومنطق الوجود والتاريخ يقول العكس: نهاية الأوّل ونهائيّة الثاني.
أمّا أقلام مدائح التكسّب ل”نهائيّة” نصرالله القاتلة، فمجرّد أدوات في الجريمة، بأبخس الأثمان.
مصيرها قاذورة اللعنة، حين يجفّ حبر العمالة.