فعلاقة الحزب بالجمهورية الإسلاميّة تتبدّل بشكل آليّ، تلقائي، حالما يتبدّل مزاج القيادة فيها. هي علاقة تتخطّى حدّي الوكالة والتكليف، ورابطتي العقيدة والمصلحة. ليست أساساً علاقة، إنها مبنية على نفي ذاتها. مبنية على عدم احتمال ذرّة استقلالية ولو رمزية عن ايران، ولو كان على سبيل توزّع الأدوار أو إشعار اللبنانيين بأنّ حزباً له قاعدة شعبية من مئات الآلاف منهم لا بدّ وأن تشوبه نزعة لبنانية ولو مضمرة في سياق علاقته بإيران. أبداً، الحزب مصرّ، وقبل الحرس الثوريّ الذي يتفرّع جهازه الأمني المركزيّ أو نخاعه الشوكيّ عنه، على حذف امكان الاستقلالية الجزئية أو الشكلية، وعدم احتمال الحدّ الأدنى من توزيع الأدوار، ولنا في “اعتذار” قناتي “النور” و”المنار” الأخير دليل على ذلك وموعظة.
لئن كانت بنغلادش فيما مضى باكستان شرقية فإنّ الحزب يعامل نفسه، أو يعامل “لبنانه هو” على أنه ايران غربية، كيان متّصل عضوياً بالجمهورية الاسلامية، لا يهمّ ابتعاد الجغرافيا، واختلاف اللغة، بل أكثر يمكن استنزاف الذات في سوريا، طمعاً بالوصل المستحيل لهذه الجغرافيا.
في تاريخ الحركة الشيوعية في القرن العشرين كانت أحزابها تبعية للاتحاد السوفياتي، الا أنّ أيّاً منها الا وقد انتابته أزمة داخلية في مرحلة سطوة “المركز الأممي” عليه، ثم صار معيار الجرأة في داخل هذه الأحزاب هو الانفكاك عن الانقيادية العمياء، فكانت “الأورو ـ شيوعية” في فرنسا وايطاليا، وغير ذلك من النزعات التفلتية عن المركز.
أمّا في “حزب الله” فلا يوجد. الموضوع غير مطروح حتى، والمشكلة الكبرى أنّ هذا خيار الحزب. يحصل أنّ أحداً في الحزب يتجرأ على نقد سياسة أو اداء، لكن طرح موضوع العلاقة بايران هو أمر غير مفكّر به.
والحال أنّ هذه التبعية المطلقة والطوعية ينبغي ألا تمرّ كأمر بديهيّ نتبلّد عليه. أولاً، لأنه صحيح أن مساحة تقرير اللبنانيين لشؤونهم ليست كبيرة، لكن أحداً من القوى السياسية لم يمرّ في علاقته غير المتكافئة مع “خارجه” باختلاف في وجهة نظر من هنا، أو بمماطلة في الفهم من هناك، أو ذهب بعيداً حيث مطلوب منه التروي. الا “حزب الله”. هنا الاتحاد الكامل. حتى الانسحاب السوري من لبنان لم يعنِ الحزب جدياً الا من هذه الزاوية: تخفّفه من وطأة عنجر ليتمكّن من ارتياد المجاهدات الاتحادية مع الجمهورية الإسلامية.
سيقال انّ الجغرافيا المتباعدة تزيد الشوق الى ايران. سيقال انّها رابطة الأيديولوجيا الدينية. سيقال انّها رابطة استخبارية أمنية. سيقال انّها الأموال والمصالح النفعية. سيقال انّه خوف الجماعة من محيطها في لحظة استئسادها عليه. يبقى انه بعد ثلاثة عقود ونيف على انتصار الثورة الاسلامية في ايران لا يزال “حزب الله” ثابتاً عند هذه النقطة الاتحادية الصوفية بقيادة النظام الايراني وحرسه الثوريّ، ولا يزال يعامل “لبنانه” على أنه “ايران الغربية”، ضارباً عرض الحائط بأمثولة بنغلادش. هذا في حين ظلّت العلاقات بين الشعبين اللبناني والايراني، وبالذات على الصعيدين الاقتصادي والتجاري، في حدّها الأدنى، اذ لم يطوّر واحد بالمئة مما كان يمكن القيام به في هذا المجال.