#adsense

جبران و”النهار” ولبنان

حجم الخط

سقط جبران تويني في مثل هذه الأيام قبل ثماني سنوات في جريمة ارهابية موصوفة. اغتيل لأنه تجرأ على رفع صوته ولأنه كتب ضد القتلة الأصليين والمأجورين. ظنّ المجرمون أن في امكانهم تجفيف أقلام “النهار”. ذهبوا بعيداً في محاولات تجريد لبنان من معناه. يجاهرون في أعلى مراتب الأمم: لا مغزى لهذا البلد الصغير إذا لم ينعم بالحرية والعدالة والتعدد.

تعيد ذكرى جبران تويني الى الأذهان الثمن الذي يدفعه المؤمنون بقيم لبنان. بذل هؤلاء حياتهم دفاعاً عن بقاء هذا البلد حيزاً رحباً للحرية في نظام عربي حزين يضيق بكل قول. حدثونا بربكم عن القتل والإخفاء والتعذيب والقهر والجوع والعطش “من المحيط الهادر الى الخليج الثائر”. يصنف الإغتيال السياسي ضمن هذه “المآثر” العربية. يد شرير ضغطت زراً لقتل جبران تويني لتضمه الى قافلة طويلة من المدافعين عن لبنان. “النهار” كانت غاية القتلة. حاولوا اغتيال مروان حمادة. قتلوا سمير قصير. لم يدركوا معنى أن يصنع غسان تويني صحيفة تليق بلبنان ولا تضيق بالأحلام الكبيرة. ما أصغرهم الذين لم يفهموا يوم كتب قبل أن يجفّ دم ابنه: “النهار” باقية، يوم دعا من فوق نعشه الى التسامح ونبذ الأحقاد. ما كان أكبره.

دعكم من الخط السياسي الذي يتخذه هذا أو ذاك، هذه أو تلك. لا مكان في عالم عربي لهذه القيم الإنسانية. ساءت أحوال اللبنانيين لأنهم ما عادوا يطيقون القول الحر. بعضهم يرى الحريّة خيانة. كل فصيل طاغ يريد تفصيل العدالة على قياسه. بعضهم يعتبر أن العدالة على الأرض تجديف. تعد هذه الطائفة أو تلك كل ما استطاعت من قوة لانتزاع الغنائم من الطوائف الأخرى. بعضهم يتذرع بمنطق السواد الأعظم والأكثر. كانت هذه من أمرّ السنوات العجاف على لبنان. عانى اللبنانيون جميعاً من تناحرهم. عمل بعضهم ضد البعض بالأجرة. الآن كأنهم بلا ذاكرة.

عاد غسان تويني الى لبنان ليصنع جريدة بحجم وطن. زرع في “النهار” إرثاً عظيماً. ردد دائماً أن السلطنة العثمانية لم تنج من مصيرها المحتوم إذ علقت على المشانق من صاروا شهداء: عبد الكريم الخليل، محمود ومحمد المحمصاني، جرجي الحداد، عبد الغني العريسي، الخوري يوسف الحايك، فيليب وفريد الخازن، سعيد فاضل عقل وغيرهم. امتدت القافلة من نسيب المتني الى رياض طه وسواهما. استمرت المواجهة بين الصحافيين وأعداء الحرية. الأقلام والحبر والورق والإرادة الصلبة مقابل الرصاص والبارود والمتفجرات والنفوس الشريرة المأجورة. لا عدالة.

تحمل بداية السنة الجديدة بعض الأمل. بعد لأي وتأخير، تنطلق فعلاً المحاكمة في المحكمة الخاصة بلبنان في محاولة لتحديد الضالعين والمتورطين في اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري وآخرين في جرائم متمادية لقتل أثمن ما في روح لبنان: الحريّة والعدالة.
العدالة لجبران جزء من المعركة الصعبة على حريّة لبنان.

المصدر:
النهار

خبر عاجل