|
|
||||||
ومهما كثرت الحروب وتعدد الجبهات فإن القيّمين سياسياً على “حزب الله” في لبنان لا يهتمون سوى لتهديد قوى 14 آذار وتحذيرها، وكأنه “لا يوجد في بالميدان” إلا 14 آذار، ففي ما خصّ “الشهادة” فالأمر لا يناقش بتفاصيله إعلامياً، أما الجانب السياسي فيأخذ الحيّز الأهم من التصريحات. “حزب الله” كعادته يُطلق الأحكام المسبقة والاتهامات على قوى 14 آذار جزافاً، في حين رفض مراراً وتكراراً الاتهامات الصادرة عن المحكمة الدولية!
يبدو أن “حزب الله” في هذه الفترة لم يعد لديه ما يقدمه لجمهوره الا اتهام 14 آذار بأسوأ مما هو فيه. ويريد “حزب الله” أن ينطبق “المنطق” التحليلي على “شهدائه” وليس على شهداء قوى 14 آذار. فقول عضو كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب نواف الموسوي أن “العدو الإسرائيلي هو الذي اغتال اللقيس الذي لاحقه لسنوات طويلة حتى كتبت له الشهادة”، يؤكد أن النظام السوري هو من اغتال شهداء قوى 14 آذار، وأن الاتهامات التي وجّهتها المحكمة الدولية في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري هي صحيحة مئة بالمئة.
وتزيد التصريحات “المتفلسفة” من لا منطق “حزب الله” في معالجة الأمور الأمنية في لبنان واستنسابيته في التعاطي مع الشعب اللبناني، انطلاقاً من اعتبار نفسه “مقاومة” أثبتت مؤخراً أنها قادرة على افتعال حرب على الحدود الجنوبية وعلى المساعدة على تفاقم الأزمة على الحدود الشمالية والبقاعية. فالأمر ليس سيّاناً مثلاً بين مواطني “المقاومة” في ضاحية بيروت الجنوبية، وبين المواطنين اللبنانيين في طرابلس. ففي دويلة “المقاومة” يفرض “حزب الله” وسراياه وحواجزه وعناصره المسلّحة دونما إيلاء أي اعتبار للجيش اللبناني والقوى الشرعية، في حين يشترط الموسوي على أهالي طرابلس “أن يُحفظ للجيش دوره في تحقيق الأمن، لا أن يحاصر ويُشلّ”!
ويبدي “حزب الله” اهتماماً خاصاً بمؤسسة الجيش اللبناني “بما أنه لم يعد هناك من مؤسسة جامعة”، ومن باب التحذير يوجهه الموسوي الى “القائمين على الأمر الواقع في طرابلس” قائلاً: “حاذروا المسّ بهذه المؤسسة الأخيرة”، متناسياً حادثة سُجُد حيث تمّ إطلاق النار على طوافة للجيش اللبناني وقُتل الشهيد الطيار سامر حنا باعتراف عنصر الجناح العسكري للحزب. أما الطرابلسيون فقد أثبتوا أنهم يحرصون تمام الحرص على احترام دور الجيش وتقدير جهوده منذ انتشاره في مدينتهم لأن مشكلتهم الحقيقية ليست أبداً مع الجيش إنما مع مَن يصوّبون سلاحهم عليه وعليهم من جبل محسن وصولاً الى حلفائه داخل الحدود وخارجها.
ولازمة الحكومة وتعطيل المؤسسات لا يوفّرها “حزب الله” لإنقاذ نفسه من الإفلاس السياسي. فحكومة “حزب الله” برهنت عدم تجانسها منذ ما قبل استقالتها، ويبدو أن الحزب بات يشعر بالخوف من حكومات الأمر الواقع ومفاعيلها وقرر العودة الى حكومة الوحدة الوطنية، ربّما لأن تبادل الاتهامات والاتهام بالتعطيل يكون أكثر سهولة إذا ما تنوّعت الأحزاب والاتجاهات في الحكومة الواحدة. في كلتا الحالتين، أي في حكومة الوحدة الوطنية أو حكومة الأمر الواقع فإن “حزب الله” سيلقي اللوم على قوى 14 آذار، فأي حلّ هو الأنسب؟
هذه المرة، صدق وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية في حكومة تصريف الأعمال محمد فنيش بأن “حكومة الأمر الواقع مناقضة للعيش المشترك وتزيد من الضرر بمصالح اللبنانيين ولا تخدم لا الأمن ولا الاستقرار”، فقد أخطأ “حزب الله” في فرضه حكومة أمر واقع على لبنان وتقاسم نفوذها مع حلفائه ثم أساء الى قوى 14 آذار وكل الشعب اللبناني فرداً فرداً حين اتّهم غيره بالتعطيل وسوء استخدام مؤسسات الدولة، في حين أن حمل السلاح غير الشرعي وارتداء بزّة الجيش اللبناني هي انتقاص من دون المؤسسة التي يدافع الحزب عنها واعتداء على هيبة الدولة.
وحكم فنيش على الحكومة التي ستحوز ثقة المجلس النيابي، في إطار لا يعدو كونه تحذيراً للفريق الآخر وطمأنة للحزب، المتخوّف من فرض حكومة أمر واقع. ومن باب الحكومة يلج فنيش الى انتخاب رئاسة الجمهورية، متوجّهاً الى رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان من دون أن يسمّيه “حكومة تصريف الأعمال يمكن لها أن تمارس صلاحية رئاسة الجمهورية لأنه لم يَصدر مراسيم قبول استقالتها بعد”، وتلك المراسيم يصدرها الرئيس منفرداً كما ورد في المادة 53 الفقرة 5 من الدستور. موجة من التحذيرات يوزعها “حزب الله” على شركائه في الوطن خصوصاً قوى 14 آذار، فممّ هو حَذِر؟