جرود كانت متنفس العراسلة ومصيفهم وأصبحت مصدر همّ وقلق كبيرين لهم (سعدى علوه)
كتبت سعدى علوه في “السفير”:
قبل عشرة أعوام قرر أبو ربيع التقاعد. والتقاعد على الطريقة العرسالية لا يعني التوقف عن العمل والخلود إلى الراحة والتفرغ للاستجمام. ضجر أبو ربيع من «عجقة» عرسال وزحمتها وكثافة سكانها وتوسعها العمراني. تذرع بخضوعه لعملية قلب مفتوح وحاجته إلى الراحة بعيداً عن التوتر اليومي، ليقصد الجرود ويقيم مزرعته الخاصة. «قلت بقضي كبرتي أنا وأم ربيع ع الهدا»، يقول الرجل السبعيني، فيما تشعل رفيقة عمره النار تحت ركوة قهوة عربية.
لمن يعرف جيولوجية سلسلة جبال لبنان الشرقية الجرداء يستغرب حديث أبو ربيع عن المزرعة. هناك لا تجد شجرة حرجية واحدة من الجهة اللبنانية. ولكن من يعرف العراسلة جيداً يدرك كيف أنهم حوّلوا بعض جردهم إلى جنائن معلقة.
تمتد الحدود اللبنانية السورية في جرود عرسال وحدها على مسافة تراوح بين أربعين وخمسين كيلومتراً. وتبعد عرسال عن أقرب بلدة سورية نحو عشرين كيلومتراً كخط نار. مساحة عرسال مع جردها هي التي يُقال إنها تساوي واحداً على 22 من مساحة لبنان. يتباهى العراسلة: “نحن الـ452 كيلومتراً مربعاً” التي تزيد عن العشرة آلاف كيلومتراً، مساحة البلاد.
قبل الأزمة السورية، تمكّن أبو ربيع من تحقيق حلمه. حفر بئر ماء واستصلح أرضه الجردية وغرسها بالمثمر من الأشجار. خصص مساحات واسعة لزراعة الخضار وبنى بيتاً متواضعاً يتسع له مع أم ربيع، وارتاح من زحمة عرسال.
اليوم يضحك أبو ربيع مما آل إليه الحال. تحول منزله إلى ما يشبه الواحة في الصحراء. «كأني ساكن بنص دين بيروت»، يقول.
يقع منزل أبو ربيع في منطقة “صفا الأقرع” التي تعتبر «ضاحية» شبيب، الجزء الملاصق من الجرد لعرسال البلدة. من «صفا الأقرع» تتلوى الطريق الترابية نحو «طاحون الهوا» وتكمل نحو «خربة داوود» ثم «وادي مار طبيه»، حيث سفح الجبل الذي تبدأ عند قمته حدود قارة السورية.
سيدة الساحة
من هناك، وعلى الطريق عينها، يتوافد آلاف النازحين. يتحول الطريق ليلاً إلى “ما يشبه الأوتوستراد الدولي”، وفق ما يؤكد أبو ربيع. لا تسأله عما إذا كان العابرون مقاتلين أم لا. لا يدقق حارس الجرود، كما يحب البعض أن يناديه، بهويات العابرين. كل ما يعرفه أنهم سوريون يقصدون عرسال هرباً من الأحداث الدامية الدائرة هناك.
قبل أهالي قارة وبقية مناطق القلمون، شهد أبو ربيع توافد سكان القصير وريفها وبعض حمص. بعض هؤلاء استأذنوه ونصبوا خيمهم في أرضه.
مد لهم الرجل خراطيم المياه تزودهم بما يملأ خزاناتهم البلاستيكية يومياً، ولم يمنعهم عن ثمار شجره وخضار حقله. “خطيّ! العالم ما معها تاكل”، يقول ابو ربيع الذي يعلم أكثر من غيره أن لا منظمات أو جمعيات تصل إلى النازحين المتروكين في الجرود: “ما إلهم إلا الله، فكيف نبخل عليهم بما تكرمنا به الأرض”.
مع ذلك، لا يغمض الرجل عينيه على ما يحصل من حوله، ولا يصدق كل ما يُقال. بلمح البصر يصنف هذا السوري وذاك. يقول إنه يعرف أن بعض شباب هذه الخيمة أو تلك غالباً ما يرجعون إلى سوريا، يغيبون أياماً ثم يعودون، وقد لا يعود بعضهم أبداً. يقول إنه ينوي الطلب من بعض من يسكنون في الجوار أن يرحلوا عنه “هؤلاء يقصدون القرى لينهبوا أثاث المنازل وممتلكات الغير”. ولكن أكثر ما يحز في نفس حارس الجرود فقدان “الربع الخالي”، كما يحلو لبعض العراسلة أن يطلقوا على جردهم، سكينته وهدوءه وخصوصيته.
هذا “الربع الخالي” نفسه تحول إلى أرض منفلتة من أي عقال. لا سلطة لا للدولة اللبنانية ولا للجارة السورية عليه. رد فعل المنظمات الدولية والمحلية نحوه هو أكبر دليل على ذلك.
يقول رئيس بلدية عرسال علي الحجيري إن المفوض السامي لشؤون اللاجئين حضر إلى عرسال وأبلغه بإمكان إنشاء مخيمات لاستيعاب الأعداد الكبيرة من النازحين. نازحون فاضوا عن البلدة ومنازلها وحتى أراضيها. اقترح الحجيري على المفوضية إقامة مخيمات في جرود عرسال. لكن المندوب الدولي كان صارماً “لا نخطو خطوة واحدة بعد حواجز الجيش اللبناني”.
الجيش نفسه الذي يزنر عرسال بتسعة حواجز، واحد منها على الطريق من اللبوة إليها، والباقي تتوزع على الممرات والطرق التي تصلها بجردها، لن تراه في عمق الجرود.
هناك أخليت الساحة للمتنقلين بين عرسال وسوريا. أقفل الخط نحو القصير وريفها وحمص بعد سيطرة الجيش النظامي السوري عليها، ولكن خط عرسال القلمون ببلداتها ومدنها وعمقها المتصل بالعاصمة السورية يشهد أوج ازدهاره. نازحون وجرحى ومقاتلون من مختلف الأطياف والانتماءات يعبرون الطرق الكثيرة يومياً. آليات «البيك آب» هي سيدة الساحة. سيارات من أحدث الموديلات، بعضها يحمل لوحات تدل على منطقته، وهي قليلة، فيما تحرر معظمها من عبء الإشهار، هذا إذا كان لها أوراق شرعية.
هناك يصبح كل شخص مسؤولاً عن نفسه وعن أمنه وأمانه. رئيس بلدية عرسال نفسه يقول إنه لا يخرج إلى الجرد من دون سلاح “ما حدا بيطلع بلا سلاح”.
تهريب
انفلات الجرد ليس جديداً بالمطلق، لكن النشاط اللاشرعي كان محصوراً بالتجارة الناشطة بين سوريا ولبنان تهريباً. كان الهجانة السوريون وحرس الحدود يمسكون بالمفاصل الأساسية للمعابر من الناحية السورية، وكانت الصفقات تعقد على الجانبين. صفقات غيّرت في بعض سلعها مع اندلاع الأحداث السورية ليتربّع السلاح في فترة من الفترات على رأس القائمة. سلاح، يقول الحجيري إن “كل لبنان تاجر به وليس بعض العراسلة فقط، ومن كل المناطق والمذاهب”. ومع انسحاب الجيش السوري من منطقة القلمون “الفوقاني” المتصلة بعرسال، انتقلت السيطرة إلى المسلحين على اختلاف انتماءاتهم وفصائلهم.
وإلى جانب سيارات “البيك آب” تزدحم طرق الجرود الترابية بسيارات الدفع الرباعي وبالدراجات النارية. لن تجد في الجرود من يوقف هذه السيارة أو الدراجة أو تلك ليسأل عن محتوى الحمولة الكبيرة المربوطة إليها. عائلات صغيرة تنزح على دراجة. نساء وأطفال وشيوخ ورجال يقطعون الطرق سيراً على الأقدام إلى أن يعطف عليهم البعض وينقلوهم بأي وسيلة سيّارة كانت.
كل هذا ورواد الجرود يمارسون هوايتهم الأساسية: التهريب. تهريب وقود المازوت ما زال على قدم وساق. وفي يوم طويل قد تقضيه في الجرد لن تصادف اقل من عشرة صهاريج مازوت تعبر الطرق ذهاباً وإياباً. الإسمنت نفسه له مريدوه والحديد أيضاً، ومعه الخردة على أنواعها، بما فيها قوالب الصواريخ التي ستجدها مجموعة هنا أو هناك. أما الزراعات العلفية، خصوصاً الشعير فيتم تهريبها نحو لبنان أيضاً، لكونها كانت مدعومة في سوريا. أما السلاح، فليس لدى أحد جواب عنه ما دامت الآليات تجد طريقها عبر المعابر اللاشرعية من دون حسيب أو رقيب.
بعض “البور” استحدثت لكسر السيارات، وهناك من يقصد الجرد لشراء قطع منها. «كسر» سيارات سرعان ما تعرف بعض مصادره مع تعطل سيارة “رانج روفر” يقودها احد الشباب السوريين الذي يعمل مع عرسالي يملك مزرعة في جرده. وبما أن لا إرسال للهواتف في الجرد يطلب العامل السوري المساعدة من عرسالي كان يعبر بسيارته في المكان، ويدعى أبو علي. يعد أبو علي الرجل السوري بأنه سيعلم معلمه فور وصوله إلى أطراف عرسال ليأتي إلى نجدته. وقبل أن يرحل يحرص على تحذيره بكل جدية “لا تترك السيارة، ابقَ بقربها”. ما يلبث أبو علي ان يبرر طلبه بالقول: “وإلا بياخدوها وبقطّعوها بدقائق، يعني العوض بسلامتك”.
عندما تعبر حاجز الجيش عند منطقة وادي حميد التي تعتبر فم الجرد من جهة عرسال، تعرف معنى كلام رئيس البلدية علي الحجيري: “تجدون بعد الحواجز ما هبّ ودبّ”، يقول الرجل الذي يعتبر أن الجيش اللبناني “مطوّق” من تلك الناحية.
يعترف رئيس البلدية بالفوضى العارمة التي تحلّ في جرود بلدته “ولكن لا مسلحين في الظاهر في عرسال”، يقول ليؤكد إن البلدة،، بلدية وفعاليات، أبلغت الجميع «من يظهر مسلحاً سنسلّمه للجيش اللبناني». لا ينفي الحجيري وجود المسلحين، خصوصاً في الجرود “ليش البلدية مسؤولة عن الجرد؟ أو هي قادرة على ضبط الأمن فيه؟”، يقول، ليشير إلى أن كل مسلح يدخل عرسال بسلاحه هو “حرامي ولا يمت للثورة بصلة”.
سلاح ثقيل
على بعد نحو ثلاثين متراً من حاجز الجيش في وادي حميد، وبالتحديد في التلة التي تعلو الحاجز، يمكن رؤية أحد طرق التهريب بالعين المجردة. من هناك تعبر آليات “البيك آب” وسيارات الدفع الرباعي، وحتى الدراجات النارية بعيداً عن أي رقيب أو حسيب نحو عرسال ومنها. سيارات لا يعلم إلا الله من وماذا بداخلها.
وعلى بعد أمتار من الحاجز تبدأ تجمّعات الخيم بالظهور. مخيمات تصغر وتكبر وفق حجم الكتلة البشرية النازحة من هذه المنطقة أو تلك. نازحون لم يجدوا مكاناً حتى لخيمة في عرسال فعادوا أدراجهم نحو الجرود.
وفي مزارع شبيب وصفا الأقرع وطاحون الهوا وخربة داوود (على حدود قارة) وسرج العجرم وسرج الحمام وخربة بونان (تحد جراجير وفليطة السوريتين) ووادي الخيل ووادي العوينة (على حدود يبرود) والصوبا والكدش ووادي الحقبان وضهر الهوة وجوار الشيح والرهوة ووادي الديب والرصيف وقلعة الحمرا لناحية جرد نحلة اللبنانية وراس المعرة السورية، ستجد سوريين يسكنون في المزارع ويعملون فيها، وفي المقالع المنتشرة في قلب الجبال وعلى قممها.
اليوم لم تعد جرود عرسال حكراً على أهلها. يغيب العرسالي عن أرضه أسبوعاً ويعود ليجد أن سورياً قسا عليه الصقيع قد عمد إلى قطع كرزته وحولها إلى وقود لموقده. حقول الخضار لم يعد أحد يسأل عنها، تركت بما فيها لمن يصلها ويقطف حاجته منها. أما ما ينتج عن تشحيل البساتين والكروم فلا يمكن تركه ليوم واحد في أرضه تحت خطر فقدانه بسرعة البرق.
كل هذا ومازال قلب العراسلة كبيراً تجاه السوريين. يقولون إنهم يعانون كثيراً، وخصوصاً القاطنين منهم في الجرود، حيث لا تصلهم معونات أو مساعدات. حتى الأنفاق التي حفرتها الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين أيام الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982 في الجبال اللبنانية الملاصقة لجراجير من الناحية السورية وجدت من يسكنها. يذكر أن كل نفق يمتد عميقاً في الجبل لمسافة تتجاوز المئتي متر. يومها خزنت الجبهة سلاحها الثقيل هناك.
يحلّ الغروب في جرود عرسال فتتسارع أضواء السيارات العابرة والمتزايدة في الاتجاهين. جرود واسعة تمتد على مدى النظر من دون أي سلطة فعلية رسمية. جرود كانت متنفس العراسلة ومصيفهم وأصبحت مصدر هم وقلق كبيرين لهم. لا يعرفون ماذا يأتيهم منها وما الذي يعبر عبرها ويحدث فيها. كل ذلك ولسان حالهم يقول: “هذه أرض لبنانية قبل أن تكون عرسالية، والدولة هي المسؤولة”. كل هذا ولا يخشى البعض من القول وبحضور رئيس البلدية علي الحجيري “من طلّع الحمار ع الميدنة فلينزّله”. تسأل ومن فعل ذلك؟ فيأتي الجواب سريعاً “البلدية.. نعم بلدية عرسال”. جواب يضحك له الحجيري ضحكة صفراء ليقول “نحن وقفنا مع السوريين إنسانياً، واليوم بعد سنتين ونصف من المعاناة وتحمل العبء الذي وقع على عرسال لن نقول ليتنا لم نقف معهم، ولن نعبر عن أي ندم”.