وليس جديداً على جريصاتي أن يلعب دور محامي الدفاع عن “حزب الله” في وجه الحق والحقيقة والقانون والدستور والعدالة. فالوزير اكتسب خبرة الدفاع عن الحزب المسلّح من خلال هجومه على المحكمة الدولية الخاصة بلبنان والتي شكّك بقانونية وجودها قبل كل شيء. مكافأة على عمله ذاك “عُيّن” جريصاتي في وزارة العمل التي يبدو أنه سيختم العمل فيها على بثّ التفرقة بدل “الاتّفاق”.
خبرة من نوع آخر أكسبه إياها العمل الدؤوب مع “حزب الله”… جريصاتي خياط فاشل، لا يعرف تفصيل أثواب لطائفته، قبل أن يخفق في “تفصيل” أو “خياطة” اتّفاق آخر يحلّ مكان اتّفاق الطائف “تطوف” فيه طائفة على أخرى فيفقد لبنان توازنه والمناصفة التي يضفيها الدستور اللبناني على المواطنين. صحيح أن “حزب الله يفصّل والحلفاء يلبسون” إلا أن الحزب أراد هذه المرة أن يظهر حليفه مفصّلاً أو مرقّعاً!
لا يُفهم من كلام جريصاتي بأنه يسعى إلى فتح باب مؤتمر تأسيسي… لكن من جهة أخرى فإن “حزب الله” ألمح مئات المرات إلى مطالبته بمؤتمر تأسيسي وشاركه في ذلك حليفه رئيس تكتل “التغيير والإصلاح” النائب ميشال عون، فهل يُعقل أن تنقص جريصاتي خبرة في المؤتمرات التأسيسية؟
يعلّل جريصاتي رأيه في أن اتّفاق الطائف “في حاجة الى تنظيم مسؤوليات”، والمعنى أن عدداً من المسؤولين يحتجّون على عدم سيطرتهم على القرار الوطني بالمجمل، وبأنهم يريدون توسيع سلطة نفوذهم ربّما لتشمل لبنان كلّه. وهذا “التنظيم” هو عبارة عن ترقيع دستور الطائف بقماش أصفر تحت عنوان “تمسيح الجوخ” الذي بات حالة مستشرية لنيل المبتغى والمشتهى.
وإن كان اتّفاق الطائف “ضيّقا على الطائفة الشيعية” بحسب جريصاتي، فإن الدستور الذي وازن بين كل الطوائف في لبنان قد رعاه ممثل عن الطائفة الشيعية لا يزال رئيساً للمجلس النيابي منذ عقود. ولأن الوزير قاضياً كان، فهو لا بدّ يعلم أن الدساتير ليست “موضة” ولا تتبدّل بتبّدل أوزان السلاح، فقبل المطالبة بـ”إصلاح” الطائف و”تغيير” اتّفاق اللبنانيين، يمكن المطالبة بكشف الجرائم وإصلاح القوانين التي لا يزال بعضها إرثاً عثمانياً ثقيلاً. فقانونياً، الدستور ليس عُرفاً ولا موضة ولا موجة يمكن تبديلها بتبدّل موازين القوى غير الشرعية، بل هي القوانين التي تلغيها قوانين أو تعدّلها…
ولا يغيّب جريصاتي في حديثه انزعاج “الطائفة الشيعية” من اتّفاق الطائف “الممارسات السنية”، وكلامه لا يشكّل سوى صورة عن الواقع الذي يريد فرضه “حزب الله” على كل الطوائف، ويلهب نار الفتنة الطائفية التي لم تتّقد بفضل استيعاب الطائفة السنية وتحديداً تيار “المستقبل” لما يحضّر له “حزب الله” إن في بيروت أو في طرابلس من خلال حلفائه، والدليل هو التزام تيار “المستقبل” بالقانون عند دخول الجيش إلى طرابلس.
وإن كان لا بدّ من تعديل الدستور، فلا يمكن طرح مثل هذا الاقتراح إلا كما ورد في الدستور نفسه، وطبعاً إن الظروف الحالية لا تناسب أبداً طرحاً من هذا النوع… إذاً إن طرحاً كهذا مرفوض شكلاً. أما المضمون فلا يمكن التلاعب به حتى تفقد المواد الدستورية قيمتها إلا إذا كان جريصاتي، من موقعه كرجل قانون، يعتبر أن المواد الدستورية فارغة من أي معنى.
يبدو أن قوى 8 آذار مقبلة على تفكّك جراء ما سيواجهه “حزب الله” في سوريا، ومنها مفاعيل الاتفاق الأميركي – الإيراني… والكل مستعجل للمطالبة بحقّ يعتبر أنه له، في دولة يريد أن يسطو عليها بقوة الدستور بعدما استخدم قوة السلاح… مهمّة اتّفاق الطائف واضحة، لكن مهّمة المطالبين بترقيعه وتفصيل غيره على قياس “حزب الله” ليست واضحة بعد، على الأقل على المدى غير المنظور. اتّفاق الطائف جمع اللبنانيين وأنهى الحرب، فمن سيشعلها ليفرّقهم؟