#adsense

بين الرئيس والمرشد

حجم الخط

بعد “الطائف” لم تكن مشكلة “حزب الله” مع الرئيس أو الرئاسة بل مع الكيان والنظام

“حزب الله” وضع عداءه لإسرائيل في خدمة مشروعه الأكبر

الاتفاق الذي أخرج لبنان من حالة الحرب كان بالنسبة الى “حزب الله” اتفاقاً سيئاً كرّس هيمنة الرئيس الماروني

البطريرك صفير ظل يشكل خط المقاومة الأخير في الدفاع عن الجمهورية وعن نهائية الكيان اللبناني

مع اقتراب موعد استحقاق انتهاء ولاية رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان وانتخاب رئيس جديد محله قبل 25 أيار المقبل ترتدي مسألة الخلاف بين الرئيس و”حزب الله” أبعادا جديدة، في وقت يتصرَّف الرئيس على أساس إنقاذ الجمهورية بينما يتصرف الحزب على أساس احتوائها من ضمن احتواء الرئيس والرئاسة وعدم تكرار تجربة مشابهة لما حصل مع سليمان. فالحزب يريد رئيسًا تابعا له لا رئيسًا للجمهورية، ويتصرف على أساس أن السيد حسن نصرالله هو مرشد الجمهورية. وما تبقى من مناصب لا يجب إلا أن تكون مجرد وظائف تدور في فلك الحزب.

لم تبدأ مشكلة “حزب الله” ورئاسة الجمهورية مع الرئيس ميشال سليمان بل مع كل رؤساء الجمهورية الذين تعاقبوا على السلطة منذ العام 1982 تاريخ بدايات “حزب الله في لبنان”.

مع الرئيس الياس سركيس كان الحزب لا يزال حالة هجينة في الظل وفي طور الولادة. لم يكن الوقت ليسمح بأي علاقة مباشرة. فالحزب لم يكن ظهر إلى العلن بعد وكان لا يزال يبحث عن نقطة انطلاق من رحم “حركة أمل”. كانت نظرة الحزب إلى الرئاسة وإلى الجمهورية هي الأساس بغض النظر عمن هو الرئيس. فالحزب في بداياته لم يكن يعترف بما يسمَّى الجمهورية اللبنانية ويعتبر أن ما يسمَّى لبنان ليس إلا جزءًا من الأمَّة الإسلامية، أمَّة “حزب الله” تحديدًا، وأن رئيس الجمهورية الماروني ما هو إلا إنعزالي طائفي في موقع غير صحيح من الأساس لأن القيادة هي للإمام الولي الفقيه في طهران الذي يجب أن تخضع له كل الأمم الإسلامية.

مع الرئيس بشير الجميل اعتبر الحزب أن اسوأ الخيارات قد وقع وأنه في حرب مفتوحة ضد هذا الرئيس الذي أتى من رحم القرار الماروني المسيحي. لذلك ارتاح إلى اغتياله وانتهاء دوره.

بمعزل عن العلاقة التبعية للثورة الإسلامية في إيران قام الحزب على أساس آخر هو العداء لإسرائيل ومواجهة احتلالها لبنان في العام 1982. كانت استراتيجيته واضحة في هذا المجال. فوضع هذه العدائية في خدمة مشروعه الأول الذي شكل مشروعية وجوده. فلو لم تكن إسرائيل قد احتلت لبنان، لكان الحزب وجد عناوين أخرى يبني عليها استراتيجيته المعلنة. كان العداء لأميركا – الشيطان الأكبر- محور انطلاقته أيضا. كانت المقاومة الفلسطينية تترك لبنان عسكريا وسياسيا لترثها مقاومة “حزب الله”. من هنا على عهد الرئيس أمين الجميل بدأت مقاومة “حزب الله” للإحتلال الإسرائيلي، والقوات المتعددة الجنسيات في لبنان. تصرَّف الحزب وكأنه هو الدولة الآتية أو الحكم المنتظر. لم يعتبر أن الدولة غير موجودة فقط بل تصرف على أساس أن ما كان قائما من تلك الدولة هو منطقة معادية يجب إسقاطها واحتلالها وتحريرها. لذلك كان موقفه مطلقا وغير قابل للمساومة، وهذا ما ظهر من خلال البدء بعمليات تفجير السفارة الأميركية في عين المريسة ثم مقرّي المارينز والمظليين الفرنسيين، ولم يتوان عن اللحاق بالسفارة الأميركية إلى عوكر.

في تلك المرحلة لم يكن هناك ثمة قيادة ظاهرة وعلنية للحزب في لبنان. كانت هناك أسماء قيادية يتم التداول بها من ضمن الحديث عن فصائل جهادية تتبنى عمليات التفجير التي تفرعت إلى عمليات احتجاز الرهائن وخطف الطائرات لا سيما طائرة الـ “تي دبليو إي” الأميركية في حزيران 1985.

في معركته على كل هذه الجبهات كان الحزب يحضِّر لمعركته الكبرى داخل الطائفة الشيعية ليمتلك القرار الشيعي أولا عسكريا ثم سياسيا، وهذا ما نجح في فرضه في أواخر الثمانينات. تأخر في هذه الجولة فلم يكن حاضرا على طاولة الطائف من خلال النواب الحاضرين الذين كانوا على تواصل مع رئيس “حركة أمل” الوزير نبيه بري. الإتفاق الذي أخرج لبنان من حالة الحروب العسكرية كان بالنسبة إلى “حزب الله” اتفاقا سيئا كرس هيمنة الرئيس الماروني الطائفي. لذلك اعتبر كأنه لا يعنيه وأنه يناقض توجهه الديني ومنطلقاته ونظرته إلى أن هذه الأرض التي يعمل عليها ليست وطنا نهائيا بل جزءا من جمهوريته التي يريدها ومن أمته التي يعتبر أن قائدها في طهران. لذلك كان “حزب الله” خلال كل عهد الرئيس أمين الجميل حزبا تحت الأرض يخوض حروبا ومواجهات لا علاقة لها بأي عنوان للسيادة اللبنانية. لم تكن مشكلته مع الرئيس أو مع الرئاسة بل مع الكيان والنظام. كان الحزب ضد المشاركة في هذه السلطة ومع هدمها من أساساتها. كان يرفض أي موقع سياسي وزاري أو نيابي لذلك كانت مسألة مشاركته في الانتخابات النيابية في العام 1992 تحتاج إلى نقاش داخلي وإلى فتوى شرعية. جاءت الفتوى لمصلحة المشاركة ولكن تحت سقف خدمة المشروع الديني السياسي الذي يحمله. طالما أنّ هذه المشاركة تؤمن الوصول إلى الهدف، فهي مشروعة.

بعد الطائف لم يكن “حزب الله” ليقبل برئاسة رينيه معوّض. كان معوّض يحمل معنى استعادة السيادة والجمهورية وروح الطائف. اغتيال معوض أراح الحزب. ولكن انتخاب الرئيس الياس الهراوي خلفا له لم يجعله يؤيده. مع الهراوي بدأت مرحلة الوصاية السورية التي أعطت “حزب الله” الدور الأمني الأول في لبنان وأبقت معه سلاحه. كانت هذه الوصاية كفيلة بأن يكون “حزب الله” مشاركا فيها ولم تكن رئاسة الجمهورية إلا مجرد مظاهر شكلية. كل شيء كان يتقرّر بين دمشق وطهران ويطبق في لبنان. اعتبر الحزب أنها المرحلة الذهبية من أجل تحقيق مشروعه. دولة غائبة وفارغة وهو الذي يملأ الفراغ بتغطية كاملة من نظام الوصاية وبالتخلص من كل من يمكن أن يشكل عائقا أمام هذا المشروع وبالسيطرة على مفاصل الأجهزة الأمنية والقوى العسكرية والسياسية. ومن هنا يمكن فهم خلفية ما حصل مع “القوات اللبنانية” في العام 1994 من خلال قرار حل الحزب واعتقال الدكتور سمير جعجع وملاحقة شباب “القوات” لمنعهم من العمل السياسي وإرغامهم على السفر. كانت الساحة المسيحية هي هدف الحزب ونظام الوصاية. وكان رفيق الحريري أيضا هو الهدف.

كان الرئيس أميل لحود الرئيس المثالي بالنسبة إلى “حزب الله”. ما كان يحصل في الظل مع الرئيس الياس الهراوي أصبح يحصل في العلن. تحوّل قصر بعبدا إلى ما يشبه الجناح الرسمي لمقاومة “حزب الله”. أميل لحود هو مثال الرئيس النموذجي الذي يريده “حزب الله” طالما أنه غير قادر على تغيير النظام. من هنا أيضا يمكن فهم ما كان يحصل بين الرئيس أميل لحود والرئيس رفيق الحريري. ولكن ثمة موقعا خارج الإصطفاف السياسي والرسمي لم يكن في متناول الوصاية. البطريرك مار نصرالله بطرس صفير والبطريركية المارونية في بكركي. فعلى رغم كل المحاولات لاستيعابه وتطويعه، ظلَّ البطريرك صفير خطّ المقاومة الأخير في الدفاع عن الجمهورية وعن نهائية الكيان اللبناني، وظل يذكّر دائما أنه وإن غاب موقع الرئاسة أو ذهب في الإتجاه غير الصحيح فإن بكركي لا تزيح ولا يمكن أن تُزاح.

من هنا كانت زيارة البطريرك صفير إلى الجبل والمصالحة مع النائب وليد جنبلاط حركة في عكس التيار أدت إلى إشهار موقف واضح وصريح ضد التمديد للرئيس أميل لحود ومهدت لصدور القرار 1559 عن مجلس الأمن. إلى هذا الحد كان خيار أميل لحود في قصر بعبدا مهما لـ”حزب الله” ونظام الوصاية، إلى درجة تحدي المجتمع الدولي والقرار الذي طالب بانتخاب رئيس جديد للجمهورية وبسحب القوات السورية من لبنان وتسليم “حزب الله” لسلاحه. قرار بحجم إحياء الجمهورية واستعادتها تحت عنوان تحرير لبنان من مشروع “حزب الله” وعهد الوصاية.

لذلك كان على “حزب الله” أن يبدأ حربا جديدة لمنع تنفيذ هذا القرار. في هذه المرحلة، في 14 شباط 2005، أتى اغتيال الرئيس رفيق الحريري الذي تم اتهامه بأنه كان وراء هذا القرار بأنه سعى إليه مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك وبأن شيراك أقنع الرئيس الأميركي جورج بوش به في لقاء تم بينهما في فرنسا في حزيران 2004 على هامش احتفالات ذكرى إنزال قوات الحلفاء في النورماندي الفرنسية في الحرب العالمية الثانية.

انسحب الجيش السوري من لبنان وانتقلت مسؤولية منع نظام الوصاية من السقوط إلى “حزب الله”. بقي الرئيس أميل لحود في قصر بعبدا. عاد العماد ميشال عون من المنفى الفرنسي وانضم إلى محور “حزب الله”. استمر مخطط الإغتيالات. تشكلت لجنة التحقيق الدولية ثم المحكمة الدولية. حصلت حرب تموز 2006. بدأت معركة إسقاط حكومة الرئيس فؤاد السنيورة. لم ينجح اعتصام رياض الصلح في إسقاطها.

انتهى عهد الرئيس أميل لحود ترك قصر بعبدا في الفراغ على رغم أن الأكثرية النيابية كانت مع انتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيسا. ولكن سليمان كان من خارج نادي الأسماء التي يريدها “حزب الله”.

حصلت عملية 7 ايار 2008. انعقد مؤتمر الدوحة. فتحت الطريق إلى انتخاب سليمان وإلى حكومة وحدة وطنية على أساس مراهنة الحزب على الفوز في انتخابات 2009 النيابية وتشكيل حكومة من طرف واحد ومحاصرة رئيس الجمهورية وتحويله إلى “خيال صحرا” بحيث يصبح العماد عون حليف “حزب الله” هو ممثل المسيحيين في السلطة من خلال الحكومة التي ينتقل إليها القرار. ولكن انتخابات 2009 اعادت الأكثرية النيابية إلى قوى 14 آذار. كبرت المشكلة: ميشال سليمان في قصر بعبدا وأكثرية نيابية من 14 آذار. من الممنوع إذا أن تكون هناك حكومة من 14 آذار. تشكلت حكومة الوزير الملك برئاسة الرئيس سعد الحريري.

كان الإنقلاب يتم على مراحل. تم إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري وتشكلت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي وبدأت الحرب في سوريا. أصبح لدى “حزب الله” أكثر من جبهة. وبدل أن يهتم باستعادة ما فقد في لبنان، صار عليه أن يقاتل من أجل منع انهيار نظام حليفه الأسد في سوريا.

حول تدخل “حزب الله” في سوريا تفاقمت المشكلة مع الرئيس ميشال سليمان. أعلن الرئيس أنه ضد هذا التدخل في عيد الجيش في الأول من آب الماضي فسقطت الصواريخ في محيط قصر بعبدا.

اليوم تبدو المشكلة أكبر. رئيس الجمهورية يرفض اتهام السيد حسن نصرالله المملكة العربية السعودية بأنها وراء التفجيرات في الضاحية الجنوبية والسفارة الإيرانية ويجدد رفضه التدخل في سوريا. لذلك تبدو مشكلة الرئاسة متجهة نحو التعقيد. “حزب الله” لن يرضى بالتمديد للرئيس ميشال سليمان. ولن يرضى باتخاب رئيس إلا على صورة إميل لحود، والسيد حسن نصرالله يتصرف على أساس أن الجمهورية تحتاج إلى مرشد وليس إلى رئيس. وطالما أن هذا المرشد موجود تصبح الرئاسة مسألة ثانوية. من هذا المنظار أيضا يصبح قول السيد حسن نصرالله بأنه مع نهائية الكيان اللبناني مسألة ثانوية أيضا.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل