#adsense

حزب الاستثناء الطليعي والأمان المفقود

حجم الخط

 

يكفي أن تباغتك رايات وصور شهداء “حزب الله” اللبناني، في بلدة “كركِل” التي ترتفع ألفين وسبعمائة متر عن سطح البحر، في منتصف المسافة بين “سرينغار” عاصمة كشمير الهندية، وبين شواهق جبال منطقة “لداخ” الهملاوية، حتى تستشعر المدى الذي وصل اليه هذا الحزب بالنسبة إلى جمهور الشيعة الاثني عشرية عبر العالم. هي بعض من مفارقات زمننا هذا الذي تروج فيه “سياسات الهوية”، وتنتشر حيث لا يخطر ببال.

مع ذلك يشكّل الحزب استثناء في العالم الشيعي. فالثورة الإيرانية، وهي منعطف تاريخي كوني، لم تتبن بالمحصلة مفهوم الحزب الطليعي المهيمن داخلها، بل اكتفت باحتضان قطبيه “محافظين وإصلاحيين” تحت إشراف الولي الفقيه وضبط السلك الحرسي. وخارج إيران، لم يوفّق الفكر الخمينوي في بلورة نفسه في صيغ تنظيمية جماهيرية باستثناء “حزب الله” عندنا، ما أتاحه وجود واقع موضوعي سانح شكّلت المسألة الجنوبية محوره.

التيارات الإسلامية الشيعية العراقية ظلّت تجنح نحو الحفاظ على خصوصيتها النجفية، ونزعتها الوطنية، حتى في عزّ لجوئها الى إيران، في أيام بطش نظام صدّام حسين. آذربيجان الشيعية خاضت حرباً بمضمون اثني وديني مع أرمينيا المسيحية، إلا أن ايران حالفت أرمينيا ولم يكن هناك ما يذكر بنموذج “حزب الله”.

صحيح أنّ للسيد حسن، وقبله للسيد عباس الموسوي الذي يقال إنه زار كشمير، أطيب الأثر عند شيعة الباكستان والهند، إلا أنّ الثمانين مليون شيعي إمامي في شبه القارة الهندية لم يطوّروا تجربة مشابهة للجماعة الخمينية العاملة في لبنان – وسوريا حالياً.
مثلما يشهد العالم الإسلامي السني إحيائية سلفية يشهد العالم الإسلامي الشيعي صحوة مهدوية منذ بضعة عقود. لكن نموذج “حزب الله” الذي يتحول في مواضع كثيرة إلى مفخرة للصحوة الأخيرة لا يترجم نفسه تعميماً تنظيمياً وسياسياً لهذا النموذج.

الصحوة المهدوية تعني بلداناً عدّة، إلا أنّ نموذج “حزب الله” يبقى في بلد واحد، بخلاف هالته. وعليه، عدم احتمال هذا الحزب لذرة استقلالية عن إيران وقيادتها لا يعني أنه متماثل معها من حيث البنية.

ليس سهلاً اليوم أن ينفي الحزب عن نفسه شبهة التخبّط الداخلي مع اتضاح مآل الاستنزاف السوري أكثر فأكثر، وبداية ارتسام خيار “الانسحاب من سوريا”.

لكن التخبّط يتصل أساساً بالعلاقة بين “الحزب” من حيث هو حركة شعبية مع “الحزب” من حيث هو جهاز أمني حرسيّ. فالسؤال المؤجل هو عن كيفية إرساء “عهد الأمان” بين الطبيعتين. وهذه ليست مسألة “داخلية حزبية” فقط. فعلى أساسها يمكن أن يعلم اللبنانيون الآخرون مع أي جماعة هم يتخاصمون أو ينشدون أول الخيط للخروج من الدوامة.

ما “عهد الأمان” الممكن بين “الحزب” كسلك حرسيّ قتالي وبين “الحزب” كحركة شعبية؟ حتى الساعة لم يأتنا الجواب سوى على الشكل التالي: إن “جمهور المقاومة” أكثر وعياً من سواه، ووعيه نقدي حتى في ظلّ تقيّده بالتكليف الشرعي.

من دون أن يدري يستعين هذا الجواب بنظرية “الكسب” الكلامية عند الأشاعرة. فالوعي النقدي في هذه المعادلة محصور بأن “يكسب” المرء تكليفه بوعي، وأن يعبّر عن خوالجه في المتسع الضيّق ما بين تكليفين. ويمكنه أن “ينقد” فساداً مالياً داخل الحزب، أو مقالة متجاسرة على شعائر بعينها، أو أداء للمجموعة الإعلامية، لكن ليس مسموحاً له طرح موضوع من نوع علاقة الحزب “الاتحادية” بإيران.

قديماً، ضُرب المثل بنظرية الكسب عند الإمام الأشعري فقيل للشيء الغامض إنّه “أخفى من كسب الأشعري”. هكذا هو الوعي النقدي الذي وجد من يتبجّح بأنّ التكليف الشرعي يسمح به: “هو أخفى من كسب الأشعري”.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل