#adsense

جبران لم يمت، و”النهار” مستمرة”

حجم الخط

لا أريد العودة الى الحدث الاجرامي، ولا الى موقع الجريمة، ولا الى الذين انفضّوا من حولك سريعاً، أو الذين تقلبوا سعياً الى مصالح… كل هذا لا أريده، لأن فيه عودة الى الماضي، الماضي المؤلم الذي لا يفيد إلا في أخذ العبر منه.

أعود اليوم اليك أنت وحدك. الانسان، الوالد، الصديق، المناضل، الشبابي بامتياز، الجريء الى أقصى حدود الجرأة، الشهيد بصدق وبإرادة منه واعية. مضيت الى الشهادة مختاراً ولم تهب الموت أو تخف الاخطار. كنت تريد أن تظل المثال والنموذج الصارخ لكل الشباب الذين دفعتهم الى الواجهة، والى مواجهة الظلم والوصاية والاحتلال ومصادرة آرائهم وحريتهم وكرامتهم.

هذه القيم أريد فقط ان أتذكرها، وان أنشىء ولديَّ عليها، وأن أتفاعل فيها مع زملائي في “النهار”، عائلتك الكبيرة، ومع كثيرين من المحبين، فنبقى معاً الديك الذي يصيح كلما بزغ فجر للحقيقة، ولقيم الحرية، والعدالة والمواطنة، والتعايش، بل العيش الواحد في وطن واحد.

يكفيك ويكفينا فخراً، أنك بعد ثماني سنوات من استشهادك، لا تزال الألسن والأفئدة والمشاعر تضجّ بصورتك وبقسمك، ويتسع لبنان كله في وجدانه لك. لقد هزمت الطاغية، ولو قتل معك وقبلك وبعدك الألوف. هزمته حيّاً، وهزمته شهيداً، وهزمت كل الطغاة والديكتاتوريين أمثاله.

يتخاذل البعض ويقول إن كل التضحيات ذهبت سدى، وإن الأمور جرت بما لا تشتهي سفننا. نتشاطر هذا الشعور في ساعات الشدّة، لكنهم لا يرون واقعاً، الى أمور كثيرة تبدّلت وتغيّرت، ولو لم تكن على مستوى الآمال.

لا أريد أن أجيب بأنه صار لنا ملائكة في السماء. وصاروا كثراً، وهم يشفعون بنا. فعلى ايماني القويم هذا، أفضل ان أبقى أقرب الى منطق الناس، الى الواقع القائم، الأليم والمفرح في آن واحد.

فالشعوب، حتى العريقة منها في الديموقراطية، لم تبلغ ما هي عليه في مدة قصيرة من الزمن. ونحن أيضاً، لا يمكننا أن نبني وطناً من دون تضحيات، ومن دون المزيد منها. والدعوة هنا ليست الى الموت، الى الاستشهاد، بقدر ما هي دعوة الى الشهادة لقيم وطنية وانسانية حقة. هي دعوة الى المستقبل، الى الحلم، الى الأمل، الى الفرح، الى حب الحياة، فمن دونها لن نخطو الى الامام، الى غد أفضل.
ويتملّكنا الغضب حتماً لتأخر العدالة وتعثّرها وتباطئها في ملفك وقضيتك. لكننا نوجهها صرخة في وجه أهل العدالة: هل تريدون تقويض شهادة جبران وسائر الشهداء؟ هل غدا التخاذل سبيلكم الى صناعة وطن وقضاء وعدالة؟

ما يريده البعض لنا، من الاقربين والابعدين، أن نبلغ حد اليأس، فنستسلم لواقع مرير، أو نحزم امتعتنا ونهاجر. كثيرون فعلوا ذلك، وخسروا، خسروا أنفسهم أولاً، وخسروا الوطن.

نحن نعي ما يريده هذا البعض. وكما تحطمت مؤامرات كثيرة، في التاريخ البعيد أو القريب، على صخرة ايمان بوطن اسمه لبنان، فان الواقع السيىء لا بد أن يتبدّل وأن نمضي بلبنان الى الأفضل، وأن نجهض مؤامرات لاحقة ومقبلة. هذا هو معنى شهادتك بعد ثمانية أعوام، وبعد مئات السنين.

هذا بعض مما أريد أن أتوقف عنده في الذكرى. فالمشاعر والأحزان لي وحدي، أما الآمال والأفراح، فأريدها فعل إصرار على الاستمرار، اصرار جسّده غسان تويني بعنوان “النهار” في اليوم التالي لاغتيالك عندما كتب:
“جبران لم يمت، و”النهار” مستمرة “.

المصدر:
النهار

خبر عاجل