|
|
||||||
12 كانون الأول 2005 كان تاريخا عاديا قبل استشهاد جبران، تاركا وراءه عائلة صغيرة “تستحضر” وجوده في الصور والذكريات ومعارض تنظمها مؤسسته حيث تسلسل سيرة حياته وهواياته، وعائلة كبيرة تسمع صدى قسمه في ساحة الشهداء. بعد رحيله طرأ التغيير الأهم على عائلته الصغيرة، فوالده غسان تويني النائب السابق وناشر جريدة “النهار” توفي في العام 2012، بعدما عاش 6 سنوات مفجوعا على رحيل ابنه، يتحاشى الحديث عنه، لكن صوره كانت “تغزو” مكتبه كأنه حاضر دوما في يومياته، وفي آخر مقالاته التي كان يحاكي فيها ابنه الشهيد ويردد “كان يحب يكون متل بيّو وجدو”.
لبنانيون كثر مرّوا على الطريق التي سلكها جبران هربا من زحمة سير وسيول شتائية تجتاح الطرق. كلّهم اختصروا طريقهم الى مراكز أعمالهم ووحده جبران اختصر طريق الشهادة شاباً في الأربعينيات، والداً لأربع بنات وزوجاً مخلصاً. سيارة حمراء لم تلفت نظر أحد مركونة بجانب الطريق، كما جرت العادة في ذلك الشارع المتعرّج الضيّق، كانت مهمّتها تنفيذ قضية في غاية السرية.
“لو كان daddy هنا!”
قضائيا، تؤكد زوجته سهام تويني أن “لا جديد في التحقيقات، كما كل القضايا في لبنان، فمهما بلغت التحقيقات من الدقة، وهذا ما لم يحدث، فإنه يستحيل على القضاة جلب المتّهمين، وأقصد هنا ليس فقط من فجّر وفخّخ إنما أيضا من خطط ومن أعطى الأمر”. وعن أملها في ذلك تقول “اللي راح راح، والقتلة معروفون ومن اتّخذ القرار معروف لكنّ القضاء لن يطالهم”.
عائليا، لا تتحدّث تويني عن نفسها إنما عن طفلتيها التوأمين ناديا وغابرييلا، وهما تسألان يوميا عن والدهما وتفترضان في حال وجوده كيف كان سيتصرف. تقول سهام: “تسأل الطفلتان عمّا إذا كان جبران على قيد الحياة هل كان لينشغل طوال الوقت أم كان ليهتمّ بنا؟.” تقولان: “دادي daddy لو كان هنا ماذا كان ليخبرنا؟ وكيف كان سيتكلّم معنا؟” فتجيبهما “كان طبعا سيتحدث معكما باللغة العربية أو بالفرنسية ولكن طبعا ليس بالإنكليزية، ولكنتما تتحدثانها اليوم بطلاقة!”
ولأن هناك الكثير من الذكريات والتطورات اليومية التي لا يمكن للزوجة سوى أن تتشاركها مع زوجها، فإن سهام تتمنى أن تخبر جبران “عن “هضامة الأولاد” وعما تتعلمانه يوميا، وكيف كبرتا وعن “حركاتهما””.تسكت سهام لثوان وتتابع “أشعر بأن ليس هناك من يشاركني هموم طفلتيّ وحبّهما، “سئيلة” أن أكون وحدي أتحمّل كل الهموم”. تتنهّد سهام وتختم “الفرق كتير كبير”.
صحافي من الشعب
الشهادة من أجل لبنان كانت الأحب الى قلب جبران الذي ترعرع على حبّ الوطن، ونظم تظاهرات طلابية في سن الشباب ضد وجود المحتل فيه، وكان الإعلامي الأول الذي جازف بمجاهرته ضدّ الوجود السوري في لبنان بعد 18 عاما من الإحتلال، في العام 2000 عقب انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان. فقد وجه رسالة في خطاب مفتوح إلى نجل الرئيس السوري حافظ الأسد وخليفته بعد ذلك بشار الأسد، قال فيها “لابد أن تدرك أن الكثير من اللبنانيين غير مرتاحين للسياسات السورية في لبنان ولوجود القوات السورية في البلاد (..) يعتبر كثير من اللبنانيين مسلك سوريا في لبنان مناقضا تماما لمبادئ السيادة والكرامة والاستقلال”، وعن المقبرة الجماعية التي اكتشفت في عنجر قرب مراكز الجيش السوري السابقة كتب “نعم المقابر الجماعية جريمة ضد الانسانية”.
عبّر جبران عن مخاوف الشعب اللبناني، كان يمثل مطالبهم كنائب وينقل وجهة نظرهم كصحافي، كان من الشعب وله. عشق الأغنيات الوطنية وخصوصا “حاصر حصارك” و”وحياة اللي راحو”، ومن الأغنيات الغربية أحبّ أغنية “my way”، فرسم حياته على طريقته متأثرا بشخصيات عالمية من جون كينيدي إلى تشي غيفارا، وهما رمزان ثائران، وفي منزله الباريسي، يضع جبران صورة كبيرة لـ غيفارا، وطبعا إن للامر صلة بهوى الشباب وثورته. ومن الكتب التي أحبّها جبران فقرأها غير مرة كتاب بعنوان “the art of war” للصيني سون تزو، كتب في القرن السادس قبل الميلاد.
سند للحريات
وجبران كان نموذجا عن العيش المشترك، فكان يفاخر بنصفه الدرزي ونصفه الآخر الارثوذكسي، ما جعله أكثر قربا من اللبنانيين، فكان سندا لهم بمختلف طوائفهم ومذاهبهم، وأبرز الأدلة أنه حمل ملف المفقودين اللبنانيين في السجون السورية الى أعلى المنابر وكرّس صفحات جريدته لتبنّي قضيّتهم. في “النهار” أيضا، طبع جبران آلاف المناشير التي تدعو الى المقاطعة وإعلان “لا” في وجه الاحتلال السوري، وبطلب منه كان يتم نقلها من باب المطبعة الخلفي.
وكان جبران سندا لأهالي الجنوب، وبعد انسحاب الاحتلال الاسرائيلي عام 2000، بادر بهمة منه الى تشكيل “لجنة المتابعة لقرى الجنوب”. لم يعلم جبران بأنه كان الشعلة التي أذكت الثورة السورية، لما كان سندا محليا وإقليميا ودوليا للمعارضة السورية حين كانت وحيدة مستهدفة. وفي حين كان النظام السوري يضطهد الصحافيين والمثقفين، بادر جبران الى احتضان نسمات “الربيع السوري” التي كانت تلوح بدءا من اعلانات المثقفين المتكررة في دمشق الى أدنى حراك ديموقراطي. وقبلها بادر الى حمل قضية الصحافي والكاتب السوري نزار نيوف الى اعلى المحافل الدولية و”الاتحاد العالمي لناشري الصحف” واستمر في الضغط والحراك الى ان تم الافراج عن نيوف لينتقل بعدها الى العاصمة الفرنسية حرا.
.. والقضية مستمرة
شريط الأحداث يعود سريعا الى الوراء.. الى قلم الحبر والعلم اللبناني والوشاح الأحمر والأبيض.. الى ساحة الشهداء ومكتب في “النهار” يحرس ثوار الأرز.. الى قَسَم يردّده اللبنانيون، ليس كلّهم بالتأكيد. حاول جبران في قسمه أن يجعلهم رزمة واحدة لا تفرّقهم شدّة، وآخر ما توقّعه أن تبتهج قلة قليلة من اللبنانيين باغتياله، أن تحتفل بتوزيع البقلاوة وتبادل التهاني عبر رسائل الـSMS وعبر الشرفات. ما كان جبران ليصدّق بأن قسما من اللبنانيين الممثلين بوزراء في الحكومة يحتاجون الى “يومين للتشاور” على خلفية إقرار مجلس الوزراء حينها مطلب انشاء محكمة ذات طابع دولي في اغتيال الرئيس الحريري وتوسيع مهام لجنة التحقيق الدولية.
يراجع اللبنانيون شريط الأحداث التي سبقت اغتيال جبران. يفلفشون في أرشيف الصحافة اللبنانية والمواقع الالكترونية والنشرات الإخبارية على مدى شهري تشرين الأول والثاني، ليدركوا أن حملة استدراج منظمة سيقت لاستفزاز جبران تويني للعودة، بعدما تأكّدت سيطرة “حزب الله” التامة على مطار رفيق الحريري الدولي. سياسيون تساءلوا عن “توقيت عودة جبران من باريس عشية اغتياله”، كأنه ركن السيارة الحمراء ليفجّر نفسه، آخرون تناولوا التهديد بالإغتيال بطريقة ساخرة لتغطية الغياب! أما الحقيقة فهي ما أريد لها أن تبقى سرية، ففضحتها وثائق “العربية الحدث” التي كشفت مراسلات الحزب مع القيادة السورية لتحييد المعارضين، وتورّطه في اغتيالات مناهضين لسوريا في لبنان. بعدها لم تعد سرّا تلك البرقية المرسلة من رئيس فرع العمليات في المخابرات السورية حسن عبد الرحمن إلى رئيس جهاز الأمن القومي السابق آصف شوكت، يقول فيها “إنه وبمساعدة عناصر من مخابرات “حزب الله” اللبناني تمّ إنجاز المهمة رقم 213 والتي أوكلت إليهم في العاشر من ديسمبر بنتائج ممتازة”.