نظرية “الضرورات تبيح المحظورات” ليست قارباً ينتشل الغرقى الذين ألقوا بأنفسهم في لجة استقالة الحكومة بعدما شبعوا تقصيراً وفشلاً، ولا هي اطار من الكاوتشوك للإنقاذ نلقيه الى الذين لفظتهم المسؤولية فقفزوا الى بحر الاستسلام. ثم ان هذه النظرية تتنافى مع الحد الادنى المطلوب من استقامة المسؤولين، لأن “الضرورات” لم تكن لتحصل إلا نتيجة فشل اداء السلطة، اما”المحظورات” فلم تكن لتصبح مخرجاً مبتكراً إلا لتغطية هذا الفشل بطريقة قاراقوشية !
على هذا الاساس أدعو الرئيس نجيب ميقاتي و”فرقة حسب الله” الساعية الى تعويم الحكومة، التي كانت قد استقالت تحت وطأة فشلها الصارخ، الى تذكّر امرين: أولاً لماذا استقالت هذه الحكومة البائسة، أوليس بعدما حبلت بأخطائها وتقصيرها وصراعاتها الداخلية وسقطت حتى في نظر الذين ولدت من رحمهم السياسي؟ وثانياً ما الذي تغيّر في الوضع اللبناني وهو من سيئ الى أسوأ، ليجعل الذين استحقوا في الحكم صفراً مكعباً يظنون أنهم صاروا من المبدعين؟
لست أدري في اي دستور او قانون وجد ميقاتي ان “تصريف الاعمال يكون لفترة قصيرة” كما قال وهو ينبّه اللبنانيين الى اننا دخلنا الشهر الثامن من دون حكومة، وقد نصل الى التاسع “مبروك” او حتى الى العاشر”الله يستر”، وان الوضع لم يعد يحتمل وبات يتطلب القيام بخطوات ومبادرات، ولكأن دولته بات ينام الآن على بحر من الخطوات والمبادرات التي لم يُهده الله اليها يوم كان يختنق من اليأس في السرايا قبل ان يستقيل رافعاً العشرة كما يقال!
ولا أدري من أين هبطت عليه كل هذه الحماسة العاطفية ليقول بالحرف: “أنا جدي جداً في اعادة احياء جلسات مجلس الوزراء واعتقد انه لا يوجد اي مانع قانوني او دستوري يمنعني من ان امارس صلاحياتي كاملة” (لاحظ صفة الأنا في الكلام)، ولكأن الدستور اللبناني مجرد وجهة نظر كما قال أحدهم يوماً على سبيل التهكم، او لكأنه مجرد مزاج رئيس يستقيل اليوم ويقرر العودة غداً مفترضاً ان في وسعه ان يحيي العظام وهي رميم!
كان يمكن ان نقول إنها شهية رئاسية مستجدة بعد تقزز او لعلها قصة “رئيس عاد واستحلى”، وكان يمكن ان نضحك لطرافة الامر لو ان ميقاتي لم يدفعنا الى الغرق في دموع الشفقة عندما راح يعدد الاسباب التي تفرض تعويم الغارقين في بحور الفشل والاستقالة، ومنها (يا حرام) تلك “الامور التي تهمّ الدولة والناس والتي باتت اكثر من ملحّة وتتطلب مجلساً للوزراء”، ولكأن هذه الامور المهمة لم تكن موجودة قبل ان تستقيل الحكومة، او لكأن الحكومة لم تستقل لتقصيرها الفاضح في معالجة هذه الامور… ولو يا دولة الرئيس!