من زمان، أيام المدرسة، كان دائماً ينوجد نموذج للتلميذ المثالي المهذب والمرتب والشاطر، الذي يليق أن يكون مسؤولاً عن الصف ، أو أن يُكلَّف مهمات سامية من الإدارة أو من هذا المعلم أو تلك المعلمة.
والواقع أن هذا النموذج، كان فعلاً صورة بديعة لمجموعة الشمائل والخصائل النبيلة، وفي مقدمها الخبث واصطناع التواضع واللطف والتحفظ والترفع، وموهبة فطرية في التبييض والمديح والتدليس والنميمة.
وقد علق في ذاكرتي عندما كنت مدمناً على قراءة مجلة ريدرز دايجست الأميركية، وكانت منبراً ثقافياً شعبياً، قول أحدهم:
” ندما ترَون شخصاً أنيقاً يتأبّط ملفاً ويسرع الخطى، وعليه إمارات الجدية والصرامة والتحفظ ، تأكدوا أن هذا شخص حقير وجبان ويثير الريبة”.
بالطبع هذا القول لا يعني التعميم ، فكل حقيقة تحتمل النسبية، وليس كل من يظهر بهذا المظهر يكون شخصاً سيئاً.
وهكذا، كنا في المدرسة ننظر إلى مسؤول الصف على أنه زلمة الإدارة وسمّاعتها، وكنا نُجمِع على اختلاف مشاربنا على أبلسته ، علماً أن الصفات التي كانت تُلصقها الإدارة به لتبرير مسؤوليته الخطيرة، هي الاعتدال والترفّع والبروفيل التوافقي، بينما الواقع أنه لم يكن للتلامذة أي رأي في تكليفه.
اليوم، نشهد مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي روحات وجيئات ونسنسات ووشوشات وفرك أياد، تحت عنوان البحث عن رئيس توافقي لا يزعّل أحداً ، لا لون له ولا طعم. في وجهه عينان وأذنان وأنف وفم ولسانا . أن يستذوق الأطباق الخاصة بنزلاء المستشفيات ، ولكن ينبغي ألا يرى إلا الألوان الباهتة، ويجب أن يبتعد عن الروائح النفاذة وعليه أن يسمع كل شيء ، ولكن من دون أن يتكلم إلا في العموميات والشعارات الخشبية والطقس والمحبة وخدمة الوطن.
لا يا سادة.
أولاً: نريد استحقاقاً رئاسياً في موعده . فرئيس الجمهورية، وعلى الرغم مما طاول صلاحياته من قضم وفرم وهرم، ما زال رمزاً لوحدة البلاد والحفاظ على دستورها، ووجوده ضمانة الضمانات.
ثانياً: نريد انتخاب رئيس وفق المنطق الديموقراطي واللعبة المتوحة، وليس على قاعدة التعليب أو التهريب . وهذا يعني تنافساً فعلياً بين مرشحين اثنين أو أكثر. وليفز من يفز، سواء كان اسمه ميشال عون أو سمير جعجع، أو حنا واكيم أو إرسانيوس خوري.
ثالثاً: من حق لبنان واللبنانيين والمسيحيين أن يكون لهم رئيس قوي يعطي من قوته قوة للرئاسة والدولة ، ويطمئن جميع اللبنانيين والمسيحيين خصوصاً، لا أن يأخذ من الرئاسة فيضعفها ، وأن يناور برصيد التمثيل المسيحي ويفرّط به لتبرير دوره كحَكم يكتفي بالصوفيرة!
نريد رئيساً لا يتحكّم ولا يكون حَكَماً، نريد رئيساً يَحكُم . فدولة برؤوس عدة أثبتت فشلها، فلا تبحثوا عن ذريعة لتمديد هذا الفشل. والسلام.