يعترف وزراء في الحكومة المستقيلة بأن الاشتباك بين وزيري الأشغال غازي العريضي والمال محمد الصفدي لم يكن مستبعداً، وكذلك الحال بالنسبة الى الاختلاف على تلزيم التنقيب عن النفط والغاز الذي ينذر باشتعالها من الداخل بسبب الصراع القائم بين بعض الأطراف المشاركين فيها حول الشركات التي ستُعهد اليها عملية التنقيب.
ويؤكد هؤلاء لـ”الحياة” أن الحكومة تعاني من فقدان الانسجام السياسي حول عدد من القضايا العالقة، ولا يمكن تبريره بذريعة انها تتشكل من مشارب مختلفة وأن لكل فريق فيها رؤيته السياسية ومصالحه الخاصة.
ويضيف الوزراء ان الاشتباك الذي حصل يمكن ان يوفر ذريعة لرئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي للتريث في دعوة مجلس الوزراء الى الانعقاد والتخلص من الضغط الذي يمارسه عليه فريق 8 آذار لعقد الجلسة، لا سيما ان لرئيس الجمهورية ميشال سليمان موقفاً من عقده يفضل عدم الاستعجال بعقده، وهو يلتقي في هذا المجال مع ميقاتي الذي يستطيع التحصن وراء أسباب موجبة تمنع المجلس من الانعقاد.
ويعتقد هؤلاء ان استقالة الحكومة لم تحجب الأنظار عن المشكلات التي تواجهها والتي يمكن تعدادها على النحو الآتي:
– غياب الكيمياء السياسية بين ميقاتي وحليفه الصفدي الذي لا يزال يطمح للوصول الى رئاسة الحكومة، مع انه لم يحرك ساكناً لتحريك المبلغ المخصص لإنماء طرابلس وقدره 100 مليون دولار، ما أدى الى تدخل وزير طرابلسي لرأب الصدع بينهما لأن من غير الجائز حرمان طرابلس من مشاريع تنموية.
– الاختلاف في التعاطي مع ملف الوزير السابق ميشال سماحة المتهم بنقل متفجرات من سورية الى لبنان لتفجيرها في عدد من الأماكن في الشمال وإصرار فريق في الحكومة على إخلاء سبيله شرط ان يبقى رهن التحقيق. وكان يتوقع الإفراج عنه في الجلسة الأخيرة، لكن رئيس المحكمة العسكرية العميد خليل ابراهيم أرجأ الجلسة الى أيار (مايو) المقبل.
– التباين في كيفية التعاطي مع ملف النازحين السوريين الى لبنان، وهذا ما برز جلياً من خلال الحملة التي يشنّها الوزراء المنتمون الى «تكتل التغيير والإصلاح» برئاسة العماد ميشال عون في مقابل موقف وزير الشؤون الاجتماعية وائل أبو فاعور، مدعوماً من وزراء وسطيين، والذي يدعو الى توفير حاجاتهم، ولا يعفي المجتمع الدولي من تباطؤه في توفير الدعم للبنان للاهتمام بهذا الملف الإنساني.
– الاضطرار الى تجميد معظم التعيينات الإدارية بسبب عدم الاتفاق على المعايير والشروط التي يجب ان تتوافر بالذين سيشغلون مناصب إدارية وإصرار البعض على اتباع المحاصصة في التعيينات خلافاً لتوجهات أجهزة الرقابة.
– انقلاب فريق أساسي على «إعلان بعبدا» الذي أجمع عليه المشاركون في طاولة الحوار والذي يقضي بتحييد لبنان عن الصراع الدائر في سورية، إضافة الى الموقف من سلاح «حزب الله» في الداخل ومشاركته الى جانب النظام في سورية ضد معارضيه.
– تخلي الحكومة عن مشروع قانون الانتخاب الذي أقره مجلس الوزراء ورفض معظم الوزراء الدفاع عنه، وهذا ما تبين من خلال مناقشة مشاريع قوانين الانتخاب في الهيئة العامة واللجان المشتركة واللجنة الفرعية.
– رفض فريق أساسي تمويل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان لمحاكمة المتهمين في اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري على رغم ان هذا الفريق لم يبادر الى شن حملته على التمويل إلا بعد ان كان ميقاتي وسليمان توصلا الى مخرج أدى الى تسديد حصة لبنان للعامين الماضيين والعام الحالي، هذه المرة على دفعات.
– عدم رضوخ فريق أساسي في الحكومة لطلبات فريق 8 آذار المتكررة والتي تدعو الى تسليم عدد من السوريين الى السلطات السورية بذريعة انهم معادون للنظام.
– الاختلاف بين «تكتل التغيير» وبين جميع من هم في الحكومة على التمديد للبرلمان الذي لقي معارضة شديدة من سليمان، وكذلك على التمديد لقائد الجيش العماد جان قهوجي.
لذلك، يبدو أن «ترميم» الحكومة لمرة واحدة بات مستحيلاً. أولاً بسبب غرقها أو إغراقها في خلافاتها الداخلية، وثانياً لوجود رئيس مكلف تشكيل الحكومة الجديدة هو تمام سلام، وبالتالي فإن مجرد تعويمها سيقحم أطرافاً عدة في نزاع داخلي محوره فريقا 14 آذار و8 آذار وهذا ما لا يريده سليمان ولا ميقاتي، وهما يتناغمان على طريقتهما الخاصة في موقفهما الموحد لجهة عدم وجود ما يستدعي عقد مجلس الوزراء. ناهيك بأن بعض الأطراف في 8 آذار، وكما تقول مصادر في 14 آذار، ليسوا في وارد تسهيل مهمة سلام في تشكيل حكومة حيادية انتقالية. وهم ما زالوا يراهنون على إحباط كل المحاولات، ما يضمن بقاء حكومة تصريف الأعمال الى ما بعد انتهاء ولاية سليمان انطلاقاً من استبعادهم انتخاب الرئيس البديل في موعده.
وتؤكد هذه المصادر أن الحكومة أصيبت بعطل دائم ولم يعد من مبرر للتمسك بها، وتقول ان الحكومة الجديدة ستولد، لا سيما ان ميقاتي يعتبر أن الإسراع في تشكيلها يغنيه عن المشاورات التي يجريها لتحديد جلسة لمجلس الوزراء والتي لن تـــؤدي الى نتيجة بعد الموقف الذي صدر عن رئيس الجمهورية والذي مـــن شأنه أن يزيح العبء الملقى على كتفي رئيس الحكومة الذي لا يبدي حماسة لهذه الدعوة. وعليه، فإن الاشتباك الذي حصل بين العريضي والصفدي يوفر كل المبررات التي يتحصن بها ميقاتي ليصرف النظر عن عقد الجلسة. هذا إذا ما أضيفت اليه الاشتباكات المتنقلة لوزراء «تكتل التغيير» وعلى رأسهم وزير الطاقة جبران باسيل الذي يتهمه بأنه ينفذ أوامر تيار «المستقبل».