#adsense

من مآثر رفع الأصابع..عودة زمن الرويبضة

حجم الخط

 

“بكام كلمة فاضية وكام اصطلاح
يفبرك حلول المسائل أوام”
(أحمد فؤاد نجم)

عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “سيأتي على الناس سنوات خدّعات، يُصدق فيها الكاذب ويُكذب فيها الصادق، ويُؤتمن فيها الخائن ويُخَوّن فيها الأمين وينطق فيها الرويبضة”, وعندما سئل ما هو الرويبضة, قال: “الرجل التافه حين يتكلم في الشأن العام”.

لم أجد أفضل من لفظة شعبوي لتشابه الرويبضة، فالتافه هو من لا يملك أي معطى علمي أو ثقافي أو معرفي لطرح حلول أو مشاريع لقيادة الناس نحو الاستقرار والازدهار والسلام المستدام، ومع ذلك فهو يتنطح للقيادة مستغلاً الأوضاع الصعبة والمعقدة والأزمات ذات التشعبات التي يستعصي حلّها إلا بالعمل الدؤوب والطويل الأمد. الشعبوي أو الرويبضة يمكنه اختصار الحلول ببضع كلمات، أو جملة من شعارات، أو بقلب الطاولة على الجميع، ونعت كل السياسيين بالفساد، أو إيجاد الحلول في الأساليب القديمة، أو العودة إلى الأصول…

وغالباً ما يترافق ذلك واستخدام مفرط للألفاظ العنيفة أو المغرقة في السوقية لتوحي للجموع بالقوة والجبروت من جهة وبالانتماء إلى “الشعب” من جهة أخرى.

من بوابة زمن الرويبضة، أو الشعبوية دخلت أعظم الشرور والكوارث والحروب إلى تاريخ البشر، وأكثرها خطورة وتأثيراً هو ما سخر بعض نواحي العلم والمعرفة لخدمة أفكار لا علاقة لها بالعلم ولا بالمعرفة. فأسطورة الشيوعية وصفت نفسها بالاشتراكية العلمية، والنازية استعملت العلوم الطبية في سعيها الى تأكيد تفوّق العنصر الآري.

أما البعض الآخر فقد بنى شعبويته على رفض العلم ورفض الأرقام واحتقار الحداثة ونعت من يستعملها أو يدافع عنها بالمخنث والمرتد والخائن والملحد، لا لشيء إلا لأن الشعبوي عاجز عن كل تلك الأمور التي تفضح تفاهته وتعرّي جهله وضلاله، فيستلحق خطابه بجملة من الأساطير معتمداً على أبسط قواعد المنطق التي تعلق في عقل الجمهور.

لا غرابة اليوم أن سقراط وأفلاطون وابن رشد وإيمانويل كانط لم يسحروا إلا قلة من البشر في حياتهم ولم يمت فداءً لهم أي بشري، فيما سحر أمثال تيمورلنك وهتلر ونصر الله الملايين وقادوهم إلى الهلاك وهم يهتفون باسمهم.

لماذا هذا الكلام الآن؟ الواقع أن سياسة رفع الأصابع والتهديد والكلام الفارغ الذي نجح حزب ولاية الفقيه بفرضه على الوقائع اليومية للناس، جعلته مثلاً أعلى للنجاح في فرض السيطرة والهيمنة وإخضاع الآخرين.

إن تمادي الأزمة وانعدام الحلول دفع الكثيرين من مؤيدي آذار إلى اعتبار سياسة التحليل والمنطق والعلم السياسي وعدم اللجوء إلى العنف واستعمال التعابير “المهذبة”، نوعاً من التخنث في السياسة، مما أعطى الإنطباع بأن الوسيلة الوحيدة لمواجهة سياسة رفع الأصابع والتهديد هي بسياسة مماثلة.

لقد خلف هذا الوضع فراغاً في معسكر قوى آذار ما لبث أن تمكن من احتلاله منطق شعبوي لا يحمل أي مشروع سياسي أو اجتماعي غير المزيد من الفوضى والعنف من دون أي أفق أو عنوان.
نتيجة لذلك كله، هناك في طرابلس اليوم “قدورا” يسعى الى رئاسة دولة، “وسينالكو” يسعى الى زعامة المدينة!
() عضو المكتب السياسي في “تيار المستقبل”

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل