#adsense

٨ سنوات استسلام لتغييب العدالة… حذار مؤامرة اغتياله مرة أخرى شهيداً

حجم الخط

اذا كان لمرور الزمن سنة فسنة ان يحكم المنطق العبثي السائد بان لا عدالة قد تتحقق يوما في اغتيال جبران تويني فمن اين نبدأ والى اين ترانا سنخلص بعد ثمانية اعوام مع ملف قضائي فارغ من اي شيء يعتد به لابقاء شعلة الايمان بالعدالة؟

ليس اصعب من استعادة الاضاءة على جبران من زاوية ملف اغتياله حصرا من دون الابحار في سائر جوانب ما مثله وجسده هذا الذي صار رمزا لقسمه وسيرته الصاخبة المدوية في السياسة والصحافة والثورة على الطغاة والمحتلين والاوصياء والنافخ في شباب لبنان صورة عجز اي رمز سواه عن تجسيدها حتى اليوم. ولكن خطورة غير متصورة تمثل في التطبع مع مفهوم الاستسلام لمرور الزمن والتراخي والاهمال والتسليم القدري بان اغتياله سيمر كما مر وسيمر اغتيال اخرين قبله وبعده تملي العودة حصرا الى اللحظة الجانية، لحظة الجريمة الكاملة التي نصبت المكمن واعدت?ظروف الانقضاض على الضحية لان النسيان هو اشد خطورة من جريمة المرتكب لا بل تغدو شريكا كامل الشراكة في الجرم متى تقصدت النيل من اصحاب الحقوق ورميهم بالياس والقنوط.

نقول ذلك ونحن نعاين التحلل المخيف في مفهوم المقاومة الحقيقية للجريمة المنظمة بحجة ان لبنان لم يعرف في تاريخه عدالة افضت الى كشف جريمة اغتيال الا لماما وندرة. ونقول ذلك ونحن نعاين تعاظم الاستسلام لمنطق ان الشرق كله يتفجر بيوميات القتل والتصفيات والحروب الهمجية التي تجعل قضايا الاغتيالات السابقة واللاحقة متماهية مع واقع اقليمي وداخلي لا يتسع لـ”ترف” المطالبة بالعدالة ولو كان المغتال والضحية جبران تويني.

انها نهاية جبران تويني الحقيقية هذه وليس اغتياله ان يصاب مجموع اصحاب الحقوق المباشرين وغير المباشرين، باليأس من منطق احقاق الحق ولو بعد مئة سنة علما ان للعدالة اذرعا غير مرئية وغير مباشرة ايضا وليست كلها فوق اقواس المحاكم وفي قاعاتها. لكن في حالة جبران تويني وما كان عليه وما صار اليه بعد ثمانية اعوام من اغتياله فان اسوأ الاسوأ هو ان يتساوى الاستسلام لمنطق الانتظار العبثي مع ضرب كل ما نادى به جبران حتى الرمق الاخير خصوصا في منطق العدالة التي لا قيام لدولة ولا استعادة لاستقلال ولا لحرية ولا خلاص من ديكتاتور?ات وطغاة ولا بناء حقيقيا لمجتمع حديث سوي من دونها.

اغلب الظن اننا في حاجة الى اعادة صياغة الملابسات الكبرى التي واكبت الاعداد للجريمة لاننا نخشى ان يكون تراكم المحن والجرائم والازمات قد فعل فعله الهائل في تراجع شعلة ايقظها جبران بل اشعلها في قلوب الناس وضمائرهم ومشاعرهم لا ثأرا ولا انتقاما لجبران مقدار الوفاء لدمائه وما نادى به من اجل هؤلاء الذين لا يزالون يرددون قسمه حتى اليوم عنوانا ونشيدا جميلا وحضاريا لم يمر يوم ولا يمر يوم منذ ثمانية اعوام الا وتثبت الاهمية الساحقة للوحدة اللبنانية في اطار ذلك القسم ولا حاجة بنا الى التطلع الى احوالنا البائسة الراهنة ?كي نتبين ما كانت لتعنيه مضامين القسم لو قيض للبنان ان يحمي صيغته وفرادته ونموذجه التعددي.

من تلك الملابسات وابرزها ان جبران كان في قلب معركة لا هوادة فيها ولا مهادنة مع النسيان، نسيان الضحايا والمختفين والمخفيين قسرا والمعتقلين في السجون السورية والشهداء الذين طمروا في المقابر الجماعية في لبنان وسوريا. لعل احدا لم ينس وكيف يمكن نسيان تلك اللحظة التي دخل فيها جبران دخوله الاول القصير والخاطف الى مجلس النواب نائبا حاملا معه ملف حقوق عشرات الوف الضحايا في ملف لا يزال حتى اليوم طي التآمر الكامل والتخاذل الاكمل. ولعل احدا لم ينس ولن يسعه ان ينسى ان جبران قبل ثورة الارز بردح طويل من الزمن ومع ثورة ال?رز وبعدها بالزمن الخاطف الذي عاشه بعد اطلاق قسمه في ساحة الشهداء غدا رمز الصوت المدوي الصارخ في وجه الوصاية السورية ونظامها الامني في لبنان لانه لم يقم اعتبارا يوما او لحظة لخوف من الاغتيال والقتل المتربصين به ولا للتهديدات المباشرة وغير المباشرة له لانه ايقن ان لا تحرر من الوصاية الا بكسر الخوف والممنوعات. كانت مكاتب “النهار” الجديدة في ساحة الشهداء تغص بمئات يوم ١٤ اذار ٢٠٠٥ ولم يكن مضى على انتقالها الى مبناها الجديد من الحمراء سوى سبعة اشهر تقريبا. قبل ان يترك المبنى الى الساحة المختنقة بمئات الالوف في ?شهد تاريخي يصعب ان يتكرر وقف على سطح المبنى الذي اخذ من عمره سنوات للتعجيل في تشييده وانجازه وكان له ما اراد. بدت ضحكته انذاك “وسع الكون” ثم هبط الى مكتبه واختلى بنفسه وكتب قسمه السري. وهو يتجه الى المصعد لملاقاة الجماهير الهادرة في وسط بيروت تمكن مراسل لاحدى المحطات الاميركية من اصطياد مقابلة خاطفة معه فسارع الى صدمه بقوله ضاحكا “انا اعرف انهم سيقتلوني يوما”.

بين الاسبوع الاول من اب ٢٠٠٥ و١٢ كانون الاول ٢٠٠٥ ثمة صياغة مثبتة بالكامل وبادق التفاصيل والوقائع لمجريات التهديدات التي تعرض لها جبران والرسم البياني لرحلاته القسرية الى باريس على فترات متقطعة وفترات اقاماته السريعة في بيروت وبيت مري وصولا الى سفرته الاخيرة الى العاصمة الفرنسية في اخر اسبوع من عمره للمشاركة في حفل الخارجية الفرنسية بمنح عملاق “النهار” والصحافة غسان تويني وسام الجمهورية الفرنسية ومن ثم عودته مساء ذلك الاحد الاخير الى بيروت عشية الاغتيال في التاسعة الا ربعا من صباح الاثنين ١٢ – ١٢ -٢٠٠٥. مع?وف ان ساحة الجريمة في العلم الجنائي والقضائي تحمل في محتوياتها ومكوناتها من اصغرها الى اكبرها، من السيارة الملغومة اداة الجريمة الى اي شيء يمكن العثور عليه بصمات القتلة والدلائل والقرائن المباشرة التي تقود الى الفاعلين ناهيك عن الظروف السابقة والمواكبة والمرافقة للجريمة تبعا لشخص الضحية ولائحة المشتبه فيهم في اغتياله. لا نخال لبنانيا لا يملك ما يفوق الادلة والقرائن الحسية على جريمة مماثلة لاغتيال جبران تويني. ولكننا نقف حتما امام هذا السر الذي لم يعد سرا وهو القصور الهائل في جمع الادلة الكافية لرسم مسار ال?فجير وادواته وخطه البياني في مسرح الجريمة بدليل عدم وجود اسم ولا مشتبه فيه ولا اي شيء يعتد به في مستوى تصنيفه قرينة وادلة. كيف ذلك وثمة جرائم وان لم يكشف فاعلوها امكن التوصل على الاقل الى انصاف ادلة وقرائن ومشبوهين فيهم في ملفاتها؟

هل يبيح لنا الامر الحديث عن مؤامرة في طمس الجريمة؟ اليس في الجرائم الاخرى التي طاولت رموزا من قوى ١٤ اذار ونخبا من فريق سياسي بعينه ما يحفز ايضا على الخلاصة نفسها؟

لا نسوق ذلك على سبيل التمييز بين الشهداء اللبنانيين فيما لا يزال يتساقط شهداء ضحايا الارهاب والتفجيرات الارهابية في مناطق لبنانية عدة . الشهداء شهداء لبنان اينما سقطوا ومن اي طائفة كانوا والى اي معتقد انتموا وخصوصا متى كانوا شهداء البراءة والوحشية والبربرية الزاحفة. لكن ذلك لا يجيز ايضا التخلي عن ملاحقة جرائم موصوفة بظروفها المريعة والمحددة والمكشوفة والواضحة وضوح الشمس في الظهيرة.

حذار ثم حذار الظن ان اغتيال جبران تويني ان مر من دون تعالي الصراخ مناداة بالعدالة سيكون بعده وطن يقيم دولة. ليس فقط لانه جبران تويني بذاته بل لان قتل العدالة في ملف جبران تويني هو الانتصار الناجز لقتلته على كل ما ومن مثلهم جبران حيا وشهيدا.

المصدر:
النهار

خبر عاجل