كتب علي الحسيني في صحيفة “المستقبل”:
لا جديد على الإطلاق في موضوع انزلاق “حزب الله” في الحرب السورية، الصور ذاتها وصرخات أهالي القتلى على حالها لم تتبدل هي الأخرى وموجات الاستنكار والرفض لهذه الحرب ما زالت تصطدم بآذان صمّاء، أو في أحسن الأحوال، مجرّد الاستماع الى مطالب الناس وأوجاعها، ووسط كل هذا يُصرّ الحزب على المضي قُدماً بحربه العبثية حتى آخر نقطة دم شيعية غير آبه بالنتائج الكارثية التي تنتج جرّاء غرقه في هذه الحرب وما تُخلّفه من أيتام وأرامل وثكالى.
الخروج من المستنقع السوري أصبح أمنية تُقارب حدود الحلم لدى كل مقاتل في “حزب الله”، فالأمر بالنسبة الى هؤلاء لم يعد نُزهة كما أقنعتهم قيادتهم في السابق ولم يعد يُختصر بالدفاع عن هذه المنطقة أو ذاك المقام، بل تحوّل الوضع الى حرب استنزاف طويلة الأمد لا أمل مُرتجى في وضع نهاية لها، والقيادة لا يرف لها جفن وحده ألم الأهل يُعبّر عن حالات أبنائهم الصعبة ووحده الهاتف الجوّال يبقى الوسيلة الوحيدة لطمأنتهم عن حالهم عبر الرسائل القصيرة التي تحمل بين حروفها أخباراً بعضها يُفرح وبعضها الآخر يُدمي.
وصيّة تلو الأخرى يُرسلها مقاتلو “حزب الله” الى ذويهم وأصحابهم يُخبرون فيها الصعوبات المختلفة التي يواجهونها، منها البرد القارس، الخيانات التي يتعرضون لها على يد شبيحة النظام وعناصر لواء “أبو الفضل العباس”، يُخبرون عن “أخوة” لهم هربوا من الميدان وآخرين “استشهدوا” أو وقعوا في الأسر، ومع نهاية كل رسالة لا يتوانون عن تذكير أهاليهم بالإكثار من الأدعية لهم أن يُسهل الله خروجهم من المستنقع ويُعيدهم الى عائلاتهم سالمين وهنا يُفرج أحد أصدقاء القيادي علي بزي الذي قتل الأسبوع الماضي في سوريا عن رسالة من كلمتين فقط كان أرسلها الى ذويه قبل مقتله بيوم واحد يطلب منهم الدعاء له.
هذا النوع من الرسائل كثر خلال الفترة الأخيرة إذ إن معظم عناصر “حزب الله” باتت تمتلك شرائح خطوط خليوية سورية تمكنهم من التواصل مع عائلاتهم رغم التعميم الصادر عن قيادتهم التي منعت بموجبه عناصرها من التزود بهواتف جوالة لأسباب لأمنية، لكن وبحسب ما نقل نجل قيادي عسكري في الحزب لعدد من أصدقائه فإن العناصر تمرّدت على المسؤولين عنهم وأصرّوا على امتلاك هذه الهواتف خصوصاً أن مدة خدمتهم على الجبهات السورية ترواح في كل مرّة من أربعة الى ثمانية أشهر ولا يحظون سوى بأسبوعين مأذونية كحد أقصى بينما يحظى القياديون من الصف الثاني على مأذونيات مفتوحة.
ومن أهم انعكاسات الانغماس في الحرب السورية أن أهالي قتلى الحزب لم يعودوا يُقيمون لعدد كبير من قياداتهم وزناً وخصوصاً السياسيين حيث أصبح الاستهزاء بهم “موضة دارجة” بحسب أحد المناصرين لـ”حزب الله” فيقول “أمس الأول كان هناك تشييع في مقبرة برج البراجنة لمقاتل في الحزب سقط في سوريا وكالعادة حضر المندوب السامي النائب علي عمّار لتقديم واجب العزاء، لكنه لم يحظَ بأي اهتمام لا من الحاضرين ولا من أهل القتيل، وأكثر من ذلك فإن والد القتيل وعلى مسمع الجميع قد توجه لعمار بالقول “ما منشوفكن إلا بالكوارث” لكن الأخير لم يُعلّق على كلام الوالد المفجوع مفضلاً الانسحاب بهدوء.
اليوم تُحاول قيادة الحزب امتصاص فورة الأهالي وغضبهم بشتى الطرق من بينها زيادة رواتب العناصر التي تقاتل في سوريا ورفع فدية كل قتيل يسقط هناك من 50 ألف دولار الى 75 ألفاً، لكن رغم ذلك إن الاحتجاجات لم تهدأ بل هي في حال تصاعدي مستمر وهذا ما بدأ الحزب يخشاه ويعمل على منع تفاقمه خصوصاً في ظل المعلومات التي ترددت في ضاحية بيروت خلال اليومين والتي تقول إن لجنة من أهالي قتلى وجرحى “حزب الله” تضم عدداً من وجهاء قرى الجنوب وبعلبك والضاحية سوف تطالب بلقاء السيد حسن نصرالله ودعوته الى سحب عناصر الحزب من سوريا أو من دمشق في حال فشلوا بتحقيق مطلبهم الأول.