كلّ الإشارات التي أعطاها العماد عون من انفتاحه على المملكة العربية السعودية، إلى تبريد خطابه السياسي وتمايُزه عن “حزب الله” في ذروة اشتباكه مع “المستقبل”، بَدّدها في قوله أخيراً إنه مع “بقاء سلاح “حزب الله” حتى انتهاء أزمة الشرق الأوسط”، هذا الموقف الذي أعاده مرشحاً مُحتملاً لفريق 8 آذار، فيما كان الأولى به التأكيد على تمايُزه وتوسيع هذا التمايز، ليس لدرجة الخلاف والصدام، إنما للوقوف على مساحة واحدة من الطرحَين.
فيُفترض بالجنرال أن يدرك بأنه يواجه عقبتَين أساسيتين: العقبة الأولى من طبيعة داخلية تتصِل بالعلاقة مع “حزب الله” الذي يبدو أنّ أقصى ما يستطيع مَنحه لعون هو كتلة نيابية فضفاضة وحصّة وزارية، ولكن الحزب لا يستطيع في المقابل تَمنين عون لتجييره أصوات الكتلة الشيعية له في جبيل وبعبدا وجزين، لأنّ هذه المسألة من البديهيات، إذ إنّ خياراته محدودة بين 14 آذار وعون، ما يجعل الأمور محسومة لمصلحة الأخير.
ولكن ما تجدر ملاحظته أنّ ما انطبقَ نيابياً ووزارياً لم ينسحب أمنياً وعسكرياً، بدليل رفض الحزب تلبية مطلب عون الذي كان قطعَ وعداً فيه للبطريرك الماروني باستعادة المسيحيين لموقع الأمن العام، كما رفض دعم مطلبه بإيصال مرشّحه إلى قيادة الجيش، ما يؤشر إلى أنّ الحزب، في مكان ما، ما زال يخشى من الجذور السيادية العونية. وبالتالي، يتجَنّب إيصال شخصيات من التيار أو قريبة منه إلى المواقع الحسّاسة التي يُعيرها كلّ الأهمية، أسوَةً بالأنظمة الأمنية.
وقد جاءت المقابلة التلفزيونية للسيّد حسن نصرالله لتؤشّر أيضاً إلى عدم رغبة “حزب الله” بدعم عون لتبوُّء الرئاسة.
وعلى رغم أهمية العقبة الأولى التي تؤشّر في العمق إلى غياب عامل الثقة بين الحزب والتيّار، تبقى العقبة الأخرى، وهي الأهم، والمتصِلة برَفض المجتمعين الدولي والعربي ترجيح كفّة “حزب الله” في لبنان، والمواقف الغربية واضحة في هذا المجال بأنّ الاتفاق النووي لا يعني إطلاقاً غَضّ النظر عن دور طهران الإقليمي ودعمها تحديداً للنظام السوري والحزب، كما أنّ المواقف الخليجية أوضَح أيضاً في ظلّ المواجهة المفتوحة مع طهران والضاحية. وبالتالي، لن يكون مسموحاً بأن يُشكّل الاستحقاق الرئاسي مناسبة لتوسيع النفوذ الإيراني.
وتِبعاً لذلك، يتعارَض موقف العماد عون من السلاح مع الأجندة الدولية والعربية والمحلية، خصوصاً أنه جعلَ هذا السلاح أبدياً، فيما كان الأحرى به القول إنه ضدّ نَزع سلاح الحزب بالقوّة، وإنّ استمراره يهدد الاستقرار ويُعرّض علاقات لبنان الخارجية، ما يتطلّب حواراً جدياً لمعالجة هذه القضية والدَّفع نحو تحييد لبنان. فلَو ذهبَ عون هذا المذهب لكانَ نجحَ في وَضع نفسه على مسافة من فريقَي الداخل وامتداداتهما الخارجية. ولكنه، من خلال هذا الموقف، دَلّ أنه ما زال يراهن على فوز محوره الإقليمي الذي على رافعتِه يريد الوصول إلى الرئاسة الأولى.
ويبدو أن طبيعة المرحلة ودقّة التوازنات لن تسمح لأيّ من الطرفين بكَسر التوازن الداخلي. ولكن هذا لا يعني أن “حزب الله” لن يحاول وَضع يده على الرئاسة الأولى. ولذلك، يجب إقفال الطريق أمامه بمرشّح تسوية لا معركة، لسبب بسيط مَردّه إلى أنّ “البوانتاج” ليس لمصلحة الحركة الاستقلالية. وبالتالي، لا يجوز المجازفة بخَوض الانتخابات تحت عنوان عَجز الفريق الآخر عن الاتفاق على مرشّح واحد، فألف مرّة فراغ ولا مرّة مرشّح من 8 آذار.
كما أنّ طبيعة المرحلة الانتقالية بعد الاتفاق النووي تؤشّر إلى أنّ أولوية إيران تكمن في الحفاظ على أوراقها من دون الدخول في مواجهات تزيد من التعبئة ضدها وتشكّل تهديداً جدياً لهذه الأوراق. ولذلك، يرجّح أن تبحث مع المجتمعين العربي والدولي عن تسوية لبنانية رئاسية، من مقوّماتها إيجاد شخصية “سَلاميّة” أو “ميقاتية” بنسخة العام 2005. وبالتالي، ستسعى إلى التقاطع مع الغرب حول رؤيته للبنان على قاعدة تحييده قدر الإمكان بانتظار التسوية الكبرى، وهذه التسوية سيكون العماد عون أوّل ضحاياها. فالاستحقاق الرئاسي بهذا المعنى لن يكون محطّة لكَسر التوازن، ولا الانزلاق إلى الفوضى الكبرى.
