الحلقة المقبلة: أبو طارق أفشى وجهةَ موكب الحريري

كما دوَّن أحد الناشطين الجنوبيّين ساخراً على صفحات «الفايسبوك»، بات في إمكان «حزب الله» تسليم المتّهمين الخمسة في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، بعدما ظهر القاتل الحقيقي، وسام الحسن.

تصلح هذه الطرفة لوصف “السيناريو المزيّف” الذي خلص الى استنتاج أنّ الحسن هو من حدَّد موكب الحريري وتغيَّب عنه، بعدما شارك في الاغتيال. ويعكس كذلك استمرار مسلسل إعاقة التحقيق وتضليله الذي أعدَّ قبل تنفيذ الاغتيال وحاول عرقلة عمل لجنة تقصّي الحقائق، ولجنة التحقيق الدولية، وفيما بعد المحكمة الدولية.

لم يكن اتهام وسام الحسن إلّا حلقة في سياق واحد، بدأ أولاً مع رواية أبو عدس ثم انتقل بسرعة عجيبة الى رواية الاوستراليين الستة، ثم هرول مترنحاً بين نظرية استهداف سيارة الحريري بصاروخ اسرائيلي، ثم انتهى بتوجيه الاتهام للحسن الشهيد الذي كان من أقرب الرفاق لرفيق الحريري.

في رواية أبو عدس لم يعد ممكناً لفريق التضليل الاستثمار كثيراً. من الألف إلى الياء وَضع التحقيق يده على الملف. وسيشكل هذا الجزء من التحقيق أحد محاور المحاكمة، كون أحد “المتهمين القديسين” شارك في اصطياد أبو عدس من مسجد الطريق الجديدة لتصوير الفيلم المشبوه، أما الإثباتات على ذلك فهي في مكان آمن، وهذا الكلام لا يتصل فقط بتصوير الفيلم الذي يتبنى فيه الاغتيال، ولا بكيفية ايصاله الى “تحت الشجرة”، بل بدور المتهم في إعداد أبو عدس.

أما رواية الاوستراليين الستة التي أسقطتها السلطات الاوسترالية بعد ساعات على ترويجها، فهي وحدها تكفي لتكون نموذجاً عن كيفية عمل المطابخ الأمنية في ظل النظام الأمني البائد. ففور حصول الاغتيال سرّبت جهة أمنية قادرة خبر مغادرة هؤلاء الى اوستراليا، وظهّرت الأمر على أنه انسحاب للمجموعة التي نفّذت الإغتيال، مستغلة أنّ هؤلاء من الملتحين، ليظهر بعد حين أنّ التسريب مجرد محاولة لتوجيه الأنظار الى خرافة أنّ رفيق الحريري قد قتل على يد الاسلاميين المتشددين.

أما عن نظرية الصاروخ الاسرائيلي، ومسؤولية اسرائيل عن الاغتيال فحدِّث ولا حرج. مسؤولو الحقبة الماضية يتحدثون عن الصاروخ، وأمين عام “حزب الله” يخصص مؤتمراً صحافياً بالأفلام والصور، ليشرح كيف راقبت الطائرات الإسرائيلية موكب الحريري، علماً أنّ الأفلام تعود الى ما قبل ردم مرفأ السان جورج. وفي المقابل امتناع عن الإجابة على سؤال مركزي: لماذا يخاف “حزب الله” من تسليم المتهمين، ولماذا مَنَع لجنة التحقيق من الدخول الى العيادة النسائية، ولماذا اغتيل وسام عيد بعدما كشف عن شبكة الهواتف الخاصة بالمتهمين، وهل أنّ اسرائيل أيضاً اغتالت عيد، غيظاً من كشفه مسؤولية المتهمين من “حزب الله” بالضلوع في الجريمة؟

في الحلقة التي لا يُفترض أن تكون الأخيرة في مسلسل محاولة تعطيل العدالة، اتهام للحسن بالمشاركة في الاغتيال عبر تحديد مسار موكب الحريري. لكن فيها ما هو أهم من ذلك بكثير. فيها وعلى لسان المحقق السويدي تحميل مسؤولية الاغتيال للنظام السوري و”حزب الله”، وهذا يعني استنتاجاً أنّ وسام الحسن كان يعمل لدى الحزب أو النظام السوري، أو الإثنين معاً.

تبعاً لذلك، وبعدما شارك الحسن “حزب الله” والنظام السوري في اغتيال رفيق الحريري، عاد وتابع التحقيق بالجريمة واحتضن هو واللواء أشرف ريفي وسام عيد كي يحقّق الاختراق الأهم في التحقيق. ولم يكتفِ وسام الحسن بذلك. بل اخترق “حليفه” النظام السوري الذي تَشارك واياه باغتيال رفيق الحريري، وكشف شبكة سماحة-المملوك، وبعد رحلة التناقضات العجيبة تلك، قرّرت اسرائيل أن تغتال الحسن، غيظاً منه بسبب اكتشافه شبكة سماحة التي ورّطت النظام السوري، وغيظاً من مساعدته التحقيق الدولي على كشف مسؤولية المتهمين من “حزب الله” بارتكاب الجريمة.

ليس صعباً كشف الاتهام المضلل لوسام الحسن بالمشاركة في اغتيال الحريري. تكفي مراجعة سيناريوهات السنوات الثماني الماضية، وكل ما حيك عن جرائم الاغتيال ومحاولات الاغتيال، التي أعقبها سيل من شائعات تضليل الحقيقة، الصادر عن مطبخ واحد، للتأكد بأنّ اقتراب موعد المحاكمة، أصبح استحقاقاً لن تعرقله محاولات كهذه.

صبيحة اغتياله كان رفيق الحريري يطمَئنّ إلى ذهاب وسام الحسن لتأدية امتحاناته الجامعية، بعدما استأذنه بذلك. كان يتحدث مع أشرف ريفي، ومع مسؤولي موكبه الذين استشهدوا معه. وبالتأكيد كانوا هم من حدّد سير الموكب من مجلس النواب إلى السان جورج. ربما يصدر يوماً قبل بدء المحاكمة فيلم طويل آخر يتهم أبو طارق العرب بإعطاء القتلة وجهة سير الموكب، والمشاركة بالتالي في اغتيال نفسه ورفيق الحريري… من يدري؟

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل