يعيش موقع الرئاسة حالَ طوارئ يتجاوز عمرها الأربعة عقود. في العام 1982، إنتُخِب الرئيس بشير الجميل وإغتيل. وإنتُخِب الرئيس أمين الجميل، وفي نهاية ولايته تعذّر إنتخاب الخلف. ثم إنتُخب الرئيس رينيه معوض وإغتيل. وإنتُخب الرئيس الياس الهراوي وإنتهت ولايته بالتمديد. وإنتُخِب الرئيس إميل لحود فإنتهت ولايته بالتمديد ثم الفراغ. واليوم، يخوض موقع الرئاسة غمارَ التحدّي مجدداً: فهل تنتهي حال الطوارئ في أيار 2014 وتعود الرئاسة طبيعية، أم تكمل مسارها الإنحداري إلى “يوبيلٍ ذهبيٍّ” من التخبُّط؟
صاحب العلاقة الأول، الرئيس ميشال سليمان، يجزم في غير مناسبة، أنه لا يريد التمديدَ لنفسه. وواضح أنّ سليمان لا يريد أن يُقال عنه إنه باع هيبةَ الرئاسةِ ليشتري الكرسي. وفي معزلٍ عن التباين في النظرة إلى خطواته وقراراته، على مدى 6 سنوات، فإنّ أحداً لم يأخذ على عهده إصابتَه بلوْثةٍ مهمّة حتى الآن. ولا يبدو رئيسُ الجمهورية مستعداً، في 6 أشهر، لنسف صورةٍ بناها طوال 6 سنوات.
لكنّ مصير الرئاسة لم يكن يوماً في أيدي الرؤساء او القوى اللبنانية وحدها، بل ثمرة لنضوج المعادلات الداخلية والإقليمية – الدولية. وغالباً ما يتقرَّر مصيره في اللحظات الأخيرة. إلّا أنّ اللاعبين المحليين بدأوا يعدّون العدّة. والجميع يرفع شعارَ الإنتخابات في موعدها، فيما هناك أوراقٌ يلعبها البعض من تحت الطاولة، ومنها ورقة الفراغ، وورقة التمديد أو التجديد. وهناك مَن يلعب ورقةَ هذا المرشح أو ذاك.
يعتقد كثيرون أنّ “حزب الله” وحلفاءه يناسبهم تعميم الفراغ وصولاً إلى المؤتمر التأسيسي. لكنّ “الحزب” يتهم “تيار المستقبل” بالعمل لتمديد ولاية سليمان، لأنّ أيّ خيارٍ آخر لن يناسبه في ظل إنكسار المعادلة الإقليمية في غير المصلحة السعودية.
ويعتبر البعض أنّ النائب هادي حبيش أطلق بالونَ الإختبار الأول نحو تبنّي التمديد، عندما قال بتعديلٍ دستوريّ نحو أحد خيارين: إما التمديد وإما “إجبار” النواب على الذهاب إلى جلسة الإنتخاب. ففي ذلك، يصبح التمديد مادةً مطروحة على الطاولة. ويوحي هذا الكلام بأن هناك مَن يريد إبقاء الرئاسة رهناً للصراع وحسابات الربح والخسارة، فيما المطلوب التمسك بخيارٍ واحدٍ ووحيد، وهو، إجراء الإنتخابات في موعدها الدستوري، وتحريرها من الإرتهانات، ليعود هذا الموقع ركيزةً أساسية في التوازن الوطني.
ربما يكون المسيحيون الطامحون إلى الرئاسة هم الأكثر تمسّكاً بإنتخابات في موعدها. وتعمل بكركي للحصول على تعاهدٍ بين “أهل البيت” على تأمين النصاب لجلسة الإنتخاب. لكنّ الجوَّ المسيحي ليس أفضل مما كان عليه قبيل موعد الإنتخابات النيابية. والذين قد يتعاهدون اليوم على توفير النصاب كانوا تعاهدوا في ما مضى على قانون “اللقاء الأورثوذكسي”، تحت قبة بكركي. وكما تملَّصوا من عهودهم السابقة، وإنقسموا، وتعطلت الإنتخابات النيابية، فإنهم كذلك قد يتملّصون اليومَ من عهدهم، وتنتصر خصوصياتهم، فتتعطل الإنتخابات أيضاً… ويعمّ الفراغ! ومن هنا مسؤولية الأقطاب المسيحيين في التمسك بالإنتخابات وتوفير النصاب بعيداً عن الحسابات الصغيرة.
وتبدو المواجهةُ بين خيارين: الفراغ (“حزب الله”) مقابل التمديد (“المستقبل”). وسيتلقى ذوو الفراغ دعماً من المحور السوري – الإيراني، فيما التمديد سيكون خيار السعودية إذا تعطلت الإنتخابات. وسيكون على بكركي أن تضطلع بالدور الذي يمليه عليها واجبها التاريخي، أي الحفاظ على موقع الرئاسة وتجنيبه محاولةً أخرى من محاولات “المصادرة”.
وهذا الكباش سينتهي بغلبة الأقوى في تلك اللحظة. ويمكن تصوُّر سيناريوهاتٍ لفرض هذا الخيار أو ذاك. وسيواكب الصراع على الرئاسة صراعٌ على الحكومة أيضاً، أو ربما صراعٌ بين حكومتين.
إذا حصل ذلك في الربيع اللبناني المقبل، فسيكون ذلك خريفاً لرئاسة الجمهورية. وسيتبيّن أن السِحْر الأسوَد الذي يصيبها منذ العام 1982 لم يجدِ العرّافة التي تفكّ طلاسمه. وربما سيكون مطلوباً إنتظار العرّافة طويلاً، أي إلى الحين الذي يُفكَّ فيه السِحر الأسوَد عن لبنان كله ومؤسساته وزعمائه.
لكنّ اللبنانيين تواقون إلى مغادرة السحر الذي كُتِب عليهم. فهل مَن يأخذ على عاتقه إنقاذ لبنان ومؤسساته، بإنقاذ الرئاسة وإستحقاقها قبل كل شيء؟ السؤال موجّه إلى “ديوك المسيحيين” أولاً، ثم الآخرين..